ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول داع إليه، حتى استقر في الأذهان أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها فهو مبتدع ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير مَنْ قلد الرسول عليه الصلاة والسلام في معرفة الله تعالى والقول بإيمان من قلدهم وكفى بهذا ضلالًا، وما مَثَلُهُمْ إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سفرًا فوقعوا في فلاة ليس فيها ما يقوم به البدن من المأكول والمشروب ورأوا فيها طرقًا شتى فانقسموا إلى قسمين فقسم وجدوا من قال لهم أنا عارف بهذه الطرق وطريقٌ النجاةِ منها واحدةٌ فاتبعوني فيها تَنْجُوا فتبعوه فَنَجَوْا، وتخلف عنه طائفة فأقاموا إلى أن وقفوا على أمارةٍ ظَهَرَ لهم أن في العمل بها النجاة فعملوا بها فنجوا وقسم هجموا بغير مرشد ولا أمارة فهلكوا، فليست نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالأمارة إن لم تكن أولى منها، ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي: يمكن أن يفصِّل فيقال: من لَيْسَ له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلًا وحصل له اليقين التام بالمطلوب إما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفي منه بذلك، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يُكْتَفَ منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلُّمُ إلى أن تزول عنه، وقال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة، وأما من غلا فقال لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضًا فقال لا يجوز النظر في الأدلة لما يلزم منه أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر انتهى ملخصًا المرادُ نَقْلُهُ من كلام الحافظ في الفتح .
وإنما أطلت في نقله لأمور:
الأول: ما فيه من الفوائد العديدة ولاسيما بيان مذهب الأشاعرة في وجوب النظر والرد عليه.