قال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى وَمَنْ قَبْلَهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزامَ أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة، وإن كان كثير منهم إنما أسلم لوجود دليل ما، فأسلم بسبب وضوحه له، فالكثير منهم قد أسلموا طوعًا من غير تقدم استدلال، بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب بأن نبيًا سيبعث وينتصر على مَنْ خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات في محمد - صلى الله عليه وسلم - بادروا إلى الإسلام، وصدقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه من الصلاة والزكاة وغيرهما، وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه من رعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوارُ النبوةِ وبركاتُها تشملُهم فلا يزالون يزدادون إيمانًا ويقينًا، وقال أبو المظفر بن السمعاني أيضًا ما ملخصه: إن العقل لا يُوجبُ شيئًا ولا يُحَرِّمُ شيئًا، ولاحَظَّ له في شيء من ذلك، ولو لم يَرِدْ الشرع بحكم ما وجب على أحد شيء لقوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [سورة الإسراء، آية: 15] ، وقوله { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [سورة النساء، آية: 165] ، وغير ذلك من الآيات.