الصفحة 106 من 250

ولما كانت حقيقة هذا القول أن الله سبحانه لم يكن قادرًا على الفعل في الأزل؛ بل صار قادرًا على الفعل بعد أن لم يكن قادرًا عليه؛ كان هذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء، حتى أنه كان من البدع التي ذكروها من بدع الأشعري في الفتنة التي جرت بخراسان لما أظهروا لعنة أهل البدع، والقصة مشهورة.

ثم إن أهل الكلام وأئمتهم كالنظام والعلاف وغيرهما من شيوخ المعتزلة والجهمية ومن اتبعهم من سائر الطوائف يقولون: إن دين الإسلام إنما يقوم على هذا الأصل، وأنه لا يعرف أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا الأصل؛ فإن معرفة الرسول متوقفة على معرفة المرسِلِ، فلا بد من إثبات العلم بالصانع أولًا، ومعرفة ما يجوز عليه ومالا يجوز عليه.

قالوا: وهذا لا يمكن معرفته إلا بهذه الطريقة،فإنه لا سبيل إلى معرفة الصانع فيمًا زعموا إلا بمعرفة مخلوقاته، ولا سبيل إلى معرفة حدوث المخلوقات إلا بهذه الطريق فيما زعموا، ويقول أكثرهم: أول ما يجب على الإنسان معرفة الله؛ ولا يمكن معرفته إلا بهذا الطريق.

ويقول كثير منهم: إِن هذه طريقة إبراهيم الخليل - عليه السلام - المذكورة في قوله: {لا أحب الآفلين} [الأنعام، آية: 76] ، قالوا: فإن إبراهيم استدل بالأفول - وهو الحركة والانتقال- على أَنَّ المتحرك لا يكون إلهًا.

قالوا: ولهذا يجب تأويل ما ورد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخالفًا لذلك من وصف الرب بالإتيان والمجيء والنزول وغير ذلك؛ فإن كونه نبيًا لم يعرف إلا بهذا الدليل العقلي فلو قدح في ذلك لزم القدح في دليل نبوته فلم يعرف أنه رسول الله، وهذا ونحوه هو الدليل العقلي الذي يقولون إنه عَاَرضَ السمعَ والعقلَ. ونقول إذا تَعَارَضَ السمعُ والعقلُ امتنع تصديقُهما وتكذيبُهما وتصديقُ السمع دون العقل؛ لأن العقل هو أصل السمع، فلو جُرِحَ أصلُ الشرعِ كان جرحًا له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت