الصفحة 105 من 250

(( أحدهما ) ): قولُ المسلمين وغيرهم من أهل الملل أن العالم مُحْدَثٌ، ومعناه عندهم ما تقدم.

(( والثاني ) ): قول الدهرية الذين يقولون: العالم قديم، وصاروا يحكون في كتب الكلام والمقالات أن مذهب أهل الملل قاطبة من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم أن الله كان فيما لم يزل لا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بشيء، ثم إنه أحدث العالم؛ ومذهب الدهرية أن العالم قديم والمشهور عن القائلين بقدم العالم أنه لا صانع له؛ فينكرون الصانع جل جلاله.

فلهذا لا يوجد في عامة كتب الكلام المتقدمة القولُ بقدم العالم، إلا عمن ينكر الصانع. فلما أظهر مَنْ أظهر من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله أن العالم قديم عن علة موجبة بالذات قديمة، صار هذا قولًا آخر للقائلين بقدم العالم، أزالوا به ما كان يظهر من شناعة قولهم من إنكار صانع العالم، وصاروا أيضًا يطلقون ألفاظ المسلمين من أنه مصنوع ومحدث ونحو ذلك، ولكن مرادهم بذلك أنه معلول قديم أزلي، لا يريدون بذلك أن الله أحدث شيئًا بعد أن لم يكن، وإذا قالوا: إن الله خالق كل شيء، فهذا معناه عندهم؛ فصار المتأخرون من المتكلمين يذكرون هذا القول، والقول المعروف عن أهل الكلام في معنى حدوث العالم الذي يحكونه عن أهل الملل.

وهذا الأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام من امتناع دوام فعل الله، وهو الذي بنوا عليه أصول دينهم، وجعلوا ذلك أصل دين المسلمين، فقالوا: الأجسام لا تخلو من الحوادث، ومالا يخلو عن الحوادث، فهو حادث أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، لأن مالا يخلو عنها ولا يسبقها يكون معها أو بعدها، وما كان مع الحوادث أو بعدها فهو حادث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت