فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 4462

وإذا كانت الشعوب تتبادل لغة الكلمات فإنها كذلك تتبادل لغة الإشارات والحركات ؛ وقد عربنا نحن العديد منها في عصرنا الحديث ، وإذا كان العرب قد عرَّبوا الكثير عن الغربيين فإن هؤلاء أيضًا قد غرَّبوا الكثير عن العرب ؛ وبخاصة في العصور الوسطى حين كانت الحضارة العربية الإسلامية قدوة لكل الحضارات ، وكانت لغتنا العربية سَيِّدةَ اللغات ، بل إن علومًا كاملة غربها الأوربيون عن العرب ؛ كعلم الجبر ، كما غَرَّبوا الكثير الكثير من مصطلحات العلوم والآداب والفنون .

ومن العجب العجاب أن بعض المصطلحات العربية التي غُرِّبتْ ، ثم شاعتْ لدى الغَرْب ، ينقلها بعضنا ، ثم يأخذون في تعريبها باعتبارها مصطلحات غربية ، ولم يدركوا - كما قلت في كلمة سابقة - أن تحت قبعات هذه المصطلحات عمائم عربية !

وهكذا نرى أن"التعريب"و"التغريب"من الظواهر اللغوية الصحية،للغتنا ولغات الغربيين ، وأن هذا التبادل اللغويّ الشائع بين اللغات أمر فطري ، تقتضيه طبيعة اللغات ؛ فإذا انعزل شعبٌ بلغته عن سائر الشعوب المتحضرة فإنه يظلُّ بدائيًّا مُتَخلِّفًا في أدغال لغته ومجاهلها ! فالتواصلُ اللغويُّ يُحقِّق التقدم والازدهار الحضاريَّ ، وبخاصة في المجال العلميّ ، فالعلم بطبيعته عالميّ ، والنظريات العلمية بلا وطن ولا جنسية ، وإذا لم يتنفَّس العلمُ في أجواءٍ عالمية اختنقتْ أنفاسه ، وأدركه الضُّمُورُ والذبولُ والجمود !

وقد زاد من إتاحة الأجواء العالمية للعلم ذلك التقدم الباهر لوسائل الاتصال، عَبْرَ القارّات ، وأجواز الفضاء، الذي تحقق بفضل العلم ؛ فهو منه،وإليه!

ولهذا كلِّه صار التعريبُ ضَرْبة لازب ، وضرورة علمية وحضارية ، ولغتنا العربية تزداد به حيوية وقوة ، وثراء وعطاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت