... وربما كان من المفيد في خضم هذه الآراء المختلفة، وغياب الوضوح والدقة في هذه الاصطلاحات، أن نعود قليلًا إلى الوراء، إلى عصر تجدد النهضة العربية، وبدء تماسها من جديد مع لغات الحضارات العالمية المتقدمة في العصر الحديث، ولا سيما تماسها مع اللغتين الإنجليزية والفرنسية. ولكن هذا الاتصال اللغوي الحديث، يختلف اختلافًا جوهريًّا عن اتصال اللغة العربية التاريخي بلغات الحضارات القديمة؛ إذ كانت العربية تمثل لغة الدعوة الإسلامية الظافرة، تحمل إلى بني البشر مبادئ التحرر من العبودية ومبادئ العدل والمساواة. فهي لغة القرآن الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف. وهي أيضًا لغة الدولة الإسلامية بدواوينها ومؤسساتها المختلفة.
إن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت باللغة العربية، في تجربتها الأولى لاستيعاب حصيلة المعارف الإنسانية، تختلف اختلافًا جوهريًّا عن تجربتها في العصر الحديث. فقد جاءت هذه التجربة الأخيرة، في أعقاب عصر التراجع والتشتت للحضارة العربية الإسلامية، وتغلُّب اللغات التركية والفارسية والسنسكريتية على مؤسسات الدولة، ولكن اللغة العربية الفصيحة، وفي جميع الظروف السالفة، بقيت لغة العقيدة والعلوم الإسلامية، ترعاها الدولة في أعلى مؤسساتها. وعندما جرى اتصالها في العصر الحديث باللغات الأوربية، لاسيما الإنجليزية والفرنسية، جاء الاتصال في ميادين الحروب الاستعمارية والتبشير. فقد كان من أولويات الاستعمار الحديث فرض لغاته، من خلال مؤسساته السياسية والاقتصادية والتعليمية، ومن خلال إرساليَّات التبشير، والاحتلال العسكري المباشر، كما هو الشأن في الشمال الأفريقي، وفي الجزائر بخاصة. وأصبحت اللغة العربية، لغة الأمة التي ترزح تحت نير الاحتلال والاستعمار، رمز شعارها من أجل التحرر الوطني، واستعادة سيادتها في أوطانها.