... ولم يقف أمر"التغريب"عند هذه الحدود وهذه الآثار ، فقد تجاوزها إلى التعليم ومناهجه، لاسيما في التعليم الجامعي، فالعلوم البحتة من طب وهندسة وكيمياء وفيزياء وما يتبعها من علوم تدرس في جامعاتنا العربية كلها باللغة الإنجليزية لا نستثني منها غير الجامعات السورية التى فرضت التعليم الجامعي بالعربية في هذه العلوم وفي سواها. وهو أمر عجب، وقد أثبت ضعف التحصيل في مقارنة التعلم بالعربية، والذي يدعو إلى العجب تمسك الأساتذة أنفسهم باللغات الأجنبية بالرغم من كونهم يعلمون طلابًا عربًا في بيئة عربية، والمستفيد من العملية كلها عربي، وليس من تفسير للإلحاح على تعلم الطب - مثلًا - باللغة الإنجليزية إلا الهزيمة الداخلية التي تعاني منها المجتمعات العربية أو الشعور بالفوقية الأجنبية، دعك من التبريرات التي يلجؤون إليها، فالتحصيل بالعربية يكون أسرع وأجدى وأسهل، وادّعاء السيطرة على المصطلحات الأجنبية في التعليم، ومتابعة مستجدات العلوم واختراعاتها، كل هذه الأمور في مقدور الجامعات السيطرة عليها عن طريق تنظيم دراسات مكثفة في اللغة الأجنبية لهذه الفئات بعد اكتمال دراستها، أو في أثنائها، لا أن تكون على حساب المعرفة الحقيقية أو على حساب اللغة القومية.
ولو نظرنا إلى الشعوب ذات الشخصية القومية التي لم تعصف بها عاصفة"التغريب"لكفانا واعظًا، فهاك اليابانيون والصينيون، أتراهم يعلمون الطب بالإنجليزية؟! ثم الألمان والفرنسيون، أيعلمونه بالإنجليزية أيضًا؟! الأطباء الصينيون العاملون في البلاد العربية لا يقرؤون لغة غير لغتهم الصينية، ويلزمون الجهات الطبية المحتاجة لخدماتهم بإحضار مترجمين ليتم التفاهم بينهم وبين المرضى. ترى أيريد الطبيب العربي مترجمًا مثله وهو يعالج إخوته وبني جلدته؟!