... ... ومن مظاهر"التغريب"ما يطفح على عبارات المتحدثين وكتابات المثقفين من استخدام لبعض الألفاظ الأجنبية في الوقت الذي يمكنهم تجنبها إلى ألفاظ عربية، لكن التباهي بالثقافة الغربية والشعور بالفوقية يدفع هؤلاء إلى تطعيم مقولاتهم المكتوبة أو المنطوقة بمصطلحات أجنبية، متظاهرين بأنها أسبق إلى ألسنتهم أو فهمهم من مماثلها العربي، وهو شعور لعمري يفصح عن الانهزام الداخلي للشخصية العربية، وتعلقها بالقشور، وانصرافها عن الجوهر، حتى إن صحافتنا العربية أصبحت لا تتحرج في عرض مثل هذه الأطروحات، وربما حرصت على استكتاب أولئك الذين يظهرون خبراتهم الأجنبية في انتقاء المصطلحات الأجنبية حتى مع علم القارئ العادي بالمماثل العربية، ولم يقف الأمر عند الصحافة أو الإذاعة، فهناك التلفاز الذي تعج برامجه بمثل هذه الممارسات، حتى إن العربية الفصحى أضحت في وسائل إعلامنا غريبة في ديارها. وانسياقًا وراء تيار"التغريب"تجاوز الإعجاب باللغات الغربية المثقفين إلى العامة، حتى أولئك الذين لا يجيدون تركيب جملة أجنبية واحدة، أو نطق بعض كلماتها، تراهم يقلدون ما يسمعون من ألفاظ وتعبيرات في السياسة والتجارة والأخلاق، لا فرق إن عدوها من التندر تارة أو من قبيل التظاهر باتساع الثقافة والمعرفة تارة أخرى، وأصبح من مظاهر العولمة الحديثة وهو هنا ما نسميه تغريبًا ما يعج به الشارع العام من لافتات بأسماء المحلات التجارية والخدمية بكتابات أجنبية بارزة، وإن هم عجزوا عن الحرف الأجنبي ترجموه بالحرف العربي، وكل ما يهمهم أن يحمل المكان الطابع الغربي سواء كتب اسمه بالحروف الأجنبية أو كتب بالحرف العربي، المهم أنه ممهور بالصبغة الأجنبية، وغالبًا ما تكون غربية.