حين أراني في المجمع العريق أعلم علم اليقين أن ذلك حصاد أجيال متوالية من المربين والمعلمين، أسهم كل واحد منهم في صناعة إنسان .. في صدارتهم يأتي أبي رحمه الله .. كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب .. والأصل في القرية أن يبقى أكبر الأولاد إلى جانب أبيه … فكيف أصر أن يدفع بي إلى المدرسة رغم أن رسوم الدراسة كانت عشرة جنيهات .. وهو قدر من المال ينوء به أولو اليسار آنذاك … كان وجهه يضيء فرحًا وهو يراني أنتقل من علم إلى علم … وكانت الدنيا لا تسعه وهو يشهدني أخطب الناس في المسجد … أما حين سمعني أتكلم الإنجليزية، فلا أستطيع أن أصف لك مشاعره .. إن الوالد الأمي الذي يفعل ذلك لهو عندي فوق كل الآباء…
وأذكر منهم شيخي الشيخ بلال عبد الجواد شيخ كتاب قريتي: كفر الترعة الجديد مركز شربين ، دقهلية الذي لم يكن يقبل قط، ونحن في الرابعة إلا أن يعطي كل حرف حقه .. وعلى منهجه العلمي الصابر قلقلنا وأخفينا وأظهرنا وغننا ومددنا حيث يجب كل أولئك … وأذكر أنه ظل يأخذ برأسي شهرًا كاملًا حتى أقرأ قوله تعالى (فاختلط به نبات الأرض) فلا يذهب تفخيم الخاء برقة التاء ولا تغلظ اللام لإطباق الطاء.
ثم أذكر منهم الأستاذ محمد موسى مدرس اللغة العربية بمدرسة زغلول الابتدائية بالسرو، الذي كان يتوسم فيَّ خيرًا، فأخذني يومًا إلى ناظر المدرسة ليأخذ عليَّ موثقًا ألا أشتري قلم الحبر الذي وفد إلى ريفنا أول مرة في الأربعينيات .. وكنا لا نذهب إلى المدرسة إلا ومعنا الدواة والريشة .. وكان الأستاذ موسى يرى هذا القلم الجديد شرًّا ووباء على العربية لأنه سوف يفسد خطوطنا … وكان إتقان الخط من فرائض العربية عند التلميذ والمعلم على السواء …