فهرس الكتاب

الصفحة 4098 من 4462

والتراث العربي شاهد على ما كان من إدراك علمائنا القدماء لانتهاج سبيل قريبة من سبيل العلم … وحين نستحضر الآن صورة أبي الأسود وهو يقول لكاتبه"إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه إلى أعلاه، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف"لا نرى فيه إلا إقرارًا لمبدأ الملاحظة وسيلة إلى التسجيل وإلى الوصف الصحيح .. ولنا أن نتصور الخليل وهو يدير دوائره يمنة ويسرة، ويعمل أدواته الرياضية، ويصل إلى المستعمل والمهمل .. ولنا أن نستدعي طريقة ابن جني، وهو يفسر الظاهرة اللغوية بالأدلة الطبيعية من الاستثقال والاستخفاف، وقولتَه المشهورة:"هذا برهان هندسي".

وحين نعبر التراث القديم إلى زماننا هذا نرى درس اللغة في قلب العلم.. خذ الأصوات اللغوية وحدها، ندرسها مع أستاذ في الفيزيقا، وأستاذ في التشريح، وأستاذ في الرياضة، وأستاذ في اللغة …

ثم خذ اكتساب الأطفال للغة، والعمليات العقليةَ في إنتاج الكلام واستقباله، وخذ القوانين الكلية التي تجمع البشر على ظواهر واحدة ..

أليس ذلك كله جديرًا أن يدرك لغويٌّ مثلي يظنه الناس لا يعمل إلا في الضمة والفتحة والكسرة … أن يدرك نعمة الله الكبرى حين يخلف رجلًا في قدر محمود مختار … رحمه الله رحمة واسعة .. وجزاه عنا وعن العلم وعن العربية خير الجزاء.

أيها السادة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت