فهرس الكتاب

الصفحة 4077 من 4462

هذا طرف من سيرة الأستاذ إبراهيم الترزي، رضي الله عنه،"إن إبراهيم كان أُمَّة قانتًا لله حنيفا"فسلام عليه في الخالدين.

أيها السادة:

لئن كانت لغتنا العربية في حاجة إلى مجمع اللغة حين أنشئ منذ سبعين عامًا؛ إنّ حاجتها إليه الآن لأشدّ، وإن ضرورة استمراره في عمله من أجلها لأحدّ. فلم أر كالعربية لغة يتحيفها ذووها، ويهتضمها بنوها، سواء أكان ذلك عن جهالة وغرارة، أم كان عن نية سَوْء أو قصد مدخول. ولم أر كالعربية لغة يكيد لها الكائدون، ويتربص بها الدوائر المتربصون، ويريد هؤلاء وأولئك لها الزوال. وقد لبّس هؤلاء الكائدون على الناس أمرهم، ولبسوا لهم مسوح الباحثين، وطيالسة العلماء ردَحًا طويلًا من الزمن، ثم صرَّح الشر وأمسى وهو عريان، وهاهم الآن يفرضون بالقوة ما أرادوه احتيالًا وجثموا بآلاتهم الجهنّمية على صدر الأمة العربية، يحاولون طمس معالمها، وتغيير هويتها، وتبديل ثقافتها، ومحو لغتها، وإزالة تاريخها، يصرحون بهذا لا يبالون، ويعلنونه لا يستحيون.

ومن سنن الله في الكون أيها السادة أن اللغات لا تعزّ إلا بعزة أهلها، ولا تذلّ إلا بذلتهم. فإذا عزّ قوم، عزّت لغتهم وقويت، وفرضت نفسها على الآخرين. وإذا ضعفوا وذلوا؛ ضعفت لغتهم وذلت وهانت عليهم وعلى الآخرين. فترى أهلها يلجؤون إلى لغات غيرهم في الحديث يتراطنون بها، وفي التعليم يتكلفونها ويحملون أبناءهم عليها، وفي كل مشهد من مشاهد الحياة بها يتواصلون. إنهم يذهبون إلى لغة عز أهلها، وارتقوا، وتقدموا، يظنون أنهم إذا تكلموا لغتهم صاروا مثلهم. وهذا - لعمري - من الظن الخائب، ومن تعليل النفس بالسراب الخادع يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت