وبعد تخرجه في دار العلوم قضى بضع سنين يعلم العربية وآدابها في إحدى المدارس الشهيرة بمصر الجديدة، وسرعان ما انتقل إلى المجمع اللغوي، يعمل محررًا بالمعجم الكبير، وهو العمل الذي أهلته له ثقافته، وتَعَشُّقُه العربية؛ فوجد فيه ضالته المنشودة، وطلبته المقصودة، فأعطى المجمعَ خُلاصَة نفسه غير باخلٍ ولا ضنين.
لقد استقام الأستاذ إبراهيم إلى المجمع، وأخلص له، لم يَفْتنه عنه تطلّبُ مالٍ، أو سعىٌ في تكثيره، ولم يُغْره عنه ما يُقدّم له من عروض؛ فقد كفاه أمرَ المال شيء ورثه عن والديه، وما تمتع به من قناعة وغنى نفس، ولذلك منح المجمعَ عن رضًا كلَّ وقته، وبذل له خالص فكره، وظل على الجادة المجمعية - كما يقول عن نفسه - سنواتٍ شارفت الثلاثين يسوس جهازها العلمي والإداري ما وسعه الجهد ليعمل بكل طاقاته في لجان المجمع ومجلسه ومؤتمره، ومجلته التي تصدر عنه ويديرها ويرأس تحريرها فيما بعد. ويدور هذا النشاط كلّه في فلكِ العربية التي حُبِّبت إليه من مطالع حياته. وظل هذا دَأْبَه وعملَه حتى اخْتَاره أعضاءُ المجمع عُضوًا في هذا المجمع الموقر عن جدارةٍ واستحقاق، وفاز منهم بإجماع لم يشهْد من قبلُ ولا منْ بَعْدُ له مثيلًا. وكان الأستاذ إبراهيم يعتقد أن المجمع لا يَعْدِلُه شيء، ولا يُوازِن عضويتَه مَنْصِب، وأذكرُ أنَّ أحد أَصدقائه المقرَّبين، وكان قد نال جائزة كبيرة تقدر بمئة ألف دولار، لم يهنئ إبراهيمَ بفوزه بعضوية المجمع، فحدثني إبراهيم في ذلك غضبانَ أسِفًا، فقلت له: إنك لم تهنئه بالجائزة التي نالها، فهي واحدة بواحدة، فاتنفض محنقًا قائلًا: أ إنّك لتُسوّي بين عضوية المجمع وهذه الجائزة؟ ماذا تعني هذه الجائزة مهما بلغت أمام عضوية المجمع؟