وأكدت الممارسة العملية هذا الميل في نفس الفتى، إذ كان الأب يعتمد عليه في متابعة إبداعاته الأدبية المتعددة: من شعر وروايات تاريخية وبحوثٍ أدبية ولغوية في دور النشر المختلفة، وعلى هذه المائدة الثرية، الحافلةِ بمختلف الطعوم، تكوّن وجدانُ الفتى، وتشرب حبَّ الأدب العربي الجميل، والشعرَ القوي الرصين، إذ كان الأبُ المبدعُ صاحب مدرسة ومنهج متفرِّد في إبداعه: ناظمًا أو ناثرًا، محققًا أو مترجمًا.
كان يمكن للتلميذ الفتيّ أن يمضي مع هواياته تلك إلى غايتها، وأن يصبح في عالم الأدب كما كان أبوه، ولكن حدثًا أليمًا حل بالأسرة غيّر اتجاهه، حين فقدت الأسرة ابنها البكر عام 1935م، وكان وقعُ الحدث على الأب عنيفًا، هدّ قواه، وأعلّ صحتَه، ساعتها رأى أحمد أن يتجه إلى المكان الذي يستطيع معه أن يرعى أباه على نحو أفضل، وأن يخدمه صحيًا، واستقر رأيه على أن يدرس الطب بدل الأدب، وهي أمنية لم تحقق في جانب منها، ولم يستطع أن يجلس من والده العليل مجلس الطبيب، إذ فارق الأب الحياة عام 1945م، قبل أن يكمل الابن دراسة الطب، وترك هذا الإحساس في أعماقه جرحًا غائرًا، أحسب أن الزمن لم يستطع أن يمحوَه.
ومع دراسته في كلية الطب ظلت أشياء كثيرة تتفاعل في أعماقه، وتشي بما سوف ينتظره، وأن صلته بما بدأ به حياته لن تنقطع، ففي عام 1947م مثل الشاعرُ علي الجارم مجمع اللغة العربية في المؤتمر الثقافي العربيِّ الأول الذي عقدته جامعة الدول العربية في لبنان، مع زملاء له منهم الدكتور أحمد أمين والدكتور عبد الوهاب عزام، وفيه نظّم علي الجارم خالدته:"العروبة"، كي تلقى في الجلسة الافتتاحية ومطلعها:
لبنانُ روضَ الهوى والفنُّ لبنانُ
الأرضُ منك وهمسُ الدوْحِ ألحانُ
هل الحسانُ على العهدِ الذي زَعمتْ؟
وهل رِفاقُ شبابي مِثْلما كانوا؟
أين الصِّبا؟ أين أوتاري وبهجتُها
طوتْ بساطَ ليالِهنّ أزمان
أرنولها اليومَ والذكرى تؤرّقُنى