حتى إذا استقر في القاهرة ربَّ أسرة، كان مجلسه بين أبنائه وزواره يعكس هذه الثقافة في جوانبها المتعددة، عربية أصيلة أو حديثة وافدة، ويُنفق الوقت في مجلسه بين أشعارٍ تُنشد، لرب البيتِ نفسه أو لآخرين، ونوادر تراثية تحكى، وقضايا نقدية تثار، وذكرياتٍ عما رآه العائدُ من الغرب، وفيه ما يُعجب، وما هو موضعُ الرفضِ والإنكار، وبدهي أن ينعكس شيء من هذا على أبناء صاحبِ البيت، وخاصته المترددين عليه، وأن يترك في أعماقهم أثرًا قويًّا، يترك صداه واضحًا في تكوين مِزاجهم.
... ويتجلى هذا الأثر كأقوى ما يكون في أحمد أصغر الأبناء ، وكان الأب يخصه بمزيد من الرعاية الحانية جعلته أشدَّ ملازمة لأبيه، فأتيحت له الفرصة، ولمّا يزل صبيًّا ناشئًا أن يدس بصره وعقله في الكتب والمجلات التي كانت تصدر في الأربعينيات لصفوة الأدباء والشعراء، تأتي الأبَ هدايا أو اشتراكًا أو شراء.
هكذا نما حب العربية وتراثها في أعماق الفتى، حتى إذا التحق بالمدرسة الثانوية وجد فيها ما يدعم كلَّ ما قرأ، ويؤكد هذه الموهبة عنده، إنها الفترة الخصبة الزاهرة في تاريخ التعليم في مصر، حيث يقرأ التلاميذ بجوار المقررات الثابتة، ما عرف يومها بالقراءة الحرة، وفيها عرف التلميذ أحمد الجارم، كما عرف غيره بداهة، جلّ ما في مكتبة المدرسة؛ عبقريات العقاد، وأدبيات طه حسين، وكتاباتِ المازني والزيات، ومؤلفات أحمد أمين ومحمد حسين هيكل وآخرين إلى جانب قصائد كثيرة ومتنوعة من الشعر العربي الرصين الجميل، لشعراء العرب الكبار من قديمهم وحديثهم، والتي تضمن أغلبها"المنتخب من أدب العرب"في جزأين وكانت الوزارة تعطيه لكل التلاميذ. إلى جانب دواوين كبار الشعراء كالمتنبي والبحتري وأبي تمام، والبارودي وشوقي وحافظ، وكثيرين غيرِهم، ممن كانت مكتبة الجارم الأب تحظى بدواوينهم.