فهرس الكتاب

الصفحة 4048 من 4462

أساتذتي الأجلاء إن الزمان يمشي وعقارب اللغات تمشي معه ترصد تحولاته ومتغيراته، وتسجل الجزئيات والكليات من أنشطته لتستعيدها الأجيال القادمة، ولو بعد قرون، وبدون هذه اللغة فإن كل شيء حولنا سوف يطمره النسيان ويدركه الانتفاء، فاللغة ذاكرة الزمان كما هي ذاكرة الإنسان، ويستحيل على البشر أن يكونوا على ما هم عليه الآن بدون اللغة، كما يستحيل عليهم أيضًا أن يواصلوا الارتقاء المنشود دون لغة، ومن هنا يأتي الاهتمام المفعم بالولاء للغة، ولهذا تناضل الشعوب من أجل المحافظة على لغاتها وما تؤديه من دور حضاري وروحي كما تناضل من أجل إقامة جسور التواصل والتفاهم المشترك بين أبنائها، فضلًا عما تستوعبه من حقائق الحياة ومعارفها، وأزعم أنه لن يكون لنا - نحن العرب - وجود حيوي وفاعل ودور مؤثر ما لم تعد للغة العربية مكانتها وتأثيرها في الوطن العربي أولًا، وفي امتداده الإسلامي ثانيًا، وما لم يتأكد الخلاص من ميراث عهود الانحطاط والتخلف، وما لم نتبين الأخطاء الناتجة عن انتشار المدارس والجامعات الأجنبية في عدد من الأقطار العربية، في غياب الاهتمام الموازي للغة العربية وما تواجهه في هذه المدارس والجامعات من تحديات وإهمال، وكما أن لكل شعب حقًّا في الدفاع عن نفسه وعن الأرض التي يعيش عليها، فإن له الحق في الدفاع عن لغته والحفاظ على تراثه، فاللغة في مقدمة العوامل المكوّنة لمقومات الهوية الوطنية والقومية، والتغاضي عن محاولة إقصائها من تدريس العلوم في الجامعات والتقليل من شأنها في المحافل الدولية لا يقل خطورة عن التغريب للوطن في ذاته، فاللغة ليست أداة لتوصيل المعرفة فحسب، وإنما هي وسيلة المشاركة الكبرى بين أبناء الوطن الواحد، المشاركة في التفكير والإبداع والبناء، وهي البوابة المشرعة في اتجاهين، أحدهما على الجديد بكل فاعلياته ومنطلقاته، والآخر على الموروث بكل قيمه ودلالاته. لقد شكل الخوف من غلبة الآخر لغويًّا وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت