ومنذ عرفته لأول مرة - ولم يكن قد بلغ العشرين بعد - كانت رسائله شبه اليومية إلى العديد من الصحف السيارة، تصويبًا لخطأ، أو تصحيحًا لمعلومة ، أو تعليقًا على رأي قيل، تشير إلى استعداده اللغوي المبكر، وفطرته السليمة، وهو يتابع كل ما يُنشر بعين يقظة، وحسٍّ غيور، امتدادًا لما كان يصنعه والده الأستاذ عبد الحميد عمر، وكان من رجال التربية والتعليم، تملؤه محبة العربية والحرص عليها والدعوة إلى التماس الصواب فيها والبعد عن الخطل فيما يُكتب ويُقال ويُسمع، ولم تتوقف رسائل الوالد وتعقيباته وتصويباته يبعث بها إلى الكُتَّاب والصحفيين والإذاعيين - فضلًا عن نشر كثير منها - حتى يوم رحيله. وهكذا كان ابنه أحمد مختار - وهذا هو اسمه المركَّب وحده - غُصْنًا مورقًا في شجرة كريمة، هُيِّئ له من حسن الرعاية والتوجيه، ووجود القدوة والنموذج - متمثلًا في أبٍ يتعشق العربية ويمنحها كل اهتمامه - ما جعله يخطو خُطواته العلمية في دأب وثقة، لا يرضى لنفسه إلا بأن يكون الأول في كل شيء بَدْءًا من حصوله على الليسانس الممتازة من كلية دار العلوم عام ثمانية وخمسين، ثم على درجة الماجستير في علم اللغة من دار العلوم أيضًا، وإيفاده إلى إنجلترا للحصول على درجة الدكتوراه في علم اللغة من جامعة كمبردج - التي سيظل مرتبطًا بمكتبتها، يقصدها في صيف كل عام، ليتزود بالجديد، ويتابع حركة العلم اللغوي في إنجلترا وفي العالم كله، ويجمع مادته اللازمة لدراساته الجديدة وأبحاثه المتتابعة - ثم هو يعود من جامعة كمبردج ليتدرج في سُلَّم العمل الجامعي، وليصبح، في سنوات معدودة، واحدًا من الأساتذة اللامعين في دار العلوم وفي خارجها، ثم يمضي به المسار إلى كلية التربية في جامعة طرابلس بليبيا، وكلية الآداب في جامعة الكويت، ويعود إلى دار العلوم وكيلًا لكليته العتيدة وأستاذًا متفرغًا بها.