فهرس الكتاب

الصفحة 3531 من 4462

منذ عشرات السنين كنت أتساءل باستمرار لماذا يقلد العرب في عصرنا الغربيين في كل شيء في كل ميدان علمي أو غير علمي، ويقتبسون منهم كل شيء- بدون تمحيص غالبًا- إلا في ميدان واحد هو صناعة المعاجم ووضع المصطلحات. فما لاحظناه عند العلماء الغربيين في هذا الميدان هو اعتمادهم المطرد على الاستعمال- ولا يشذ عن ذلك أحد - عند تأليفهم لمعجم عام أو مختص. وذلك على شكل تدوين عينة كبيرة لهذا الاستعمال، وعلى أساس القواعد المتعارف عليها في تأليف المعاجم. وقد يكون هذا الاستعمال موزعًا على أقاليم أو بلدان وغير ذلك من الأماكن، وذلك ليمكن الإشارة إلى كثرة الاستعمال أو قلته في كل من هذه الأماكن (ويطرد هذا في معاجم اللهجات واللغات الإقليمية والعاميات) ، وقد يهتم المعجمي إلى تطور المفردة لفظًا ومعنى عبر الزمان في مختلف الأقاليم فلابد أن يعتمد إذن على مدونة تغطي الاستعمال لعدة سنوات بل قرون.

ولنأخذ مثالًا"ذخيرة اللغة الفرنسية Tresor de la langue francaise"فإنه يغطي الاستعمال للغة الفرنسية لمدة قرنين، وقد دونت المعطيات اللغوية (النصوص الأدبية والعلمية) لما أنتجه الفرنسيون في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. وتتبع الباحثون استعمال كل مفردة في جميع سياقاتها في جميع النصوص المدونة. ولجؤوا في ذلك إلى الحاسوب.ثم حرر

كل عالم عددًا من المداخل اعتمادًا على هذا الذي دوّنوه أولًا ثم على الدراسات الدقيقة للسياقات - كل السياقات- لجميع الكلمات. فأصدروا هذه الذخيرة في 16جزءًا كبيرًا على شكل معجم (من 1976م إلى 1994م) (وهو عامٌّ وتاريخي وعلمي) . ثم شرعوا في حوسبة المعجم نفسه ليصير آليًّا وأنهَوا هذا العمل الكبير العملاق في 1998م ولم يبخلوا فبذلوا الجهود والأموال الهائلة لإنجازه، ووفّقوا إلى حدّ بعيد في كل ذلك فهو الآن في متناول أي باحث في أي وقت باللجوء إلى شبكة الإنترنت (*) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت