وبعد فإن الباحثين المحدثين - ومنهم المستعربون الإسبان - استطاعوا أن يظهروا فضل الثقافة العربية والأندلسية على ثقافة الغرب، وتمكنوا من الكشف عن عدد كبير من التأثيرات العربية في الآداب الإسبانية شعرًا ونثرًا، وأذكر من هؤلاء على سبيل المثال إميليو غوسيه غومس، وخوان
فيرنيث، وفرناندو لاكرانخا، وكورينتي.
وقد كان لأستاذنا المرحوم عبد العزيز الأهواني مساهمة ممتازة في هذا الموضوع، ولصديقنا وزميلنا الدكتور محمود مكي فيه كذلك جهود معروفة.
وقد أتيح لنا منذ عقود أن نقوم بجهد متواضع في هذا المجال عندما
حققنا أمثال العوام في الأندلس لأبي يحيى الزجالي القرطبي (617هـ - 694هـ) فقد قمنا بشرحها ومقارنتها بالأمثال العربية القديمة والمولدة، والحديثة من جهة وبالأمثال الإسبانية من جهة أخرى، وقد ظهر من تلك المقارنات مدى الصلة بين الأمثال التي كان العامة في الأندلس يتمثلون بها وبين الأمثال العربية سواء منها القديمة أو الحديثة، وهي صلة طبيعية لأنها جميعًا تنتمي إلى لغة واحدة، وقد عنينا إلى جانب ذلك بالمقارنة
بين الأمثال الأندلسية وبين الأمثال الإسبانية، وكان من شرطنا في هذه المقارنات جميعها أن يتوافر فيها التطابق بين نصوص الأمثال وصيغها، وأن تكون الأمثال المقارن بينها متفقة أو متقاربة على الأقل في مبناها ومعناها، إذ إن المقارنة على أساس المعنى وحده قد تكون أمرًا ممكنًا بين أمثال كثير من الأمم والشعوب.
وإنما توجهنا إلى الأمثال الإسبانية بعد الأمثال العربية لأن كلا من الأمثال الأندلسية القديمة والأمثال الإسبانية التي جاءت في أعقابها نتاج أرض واحدة، وثمرة بيئة طبيعية مشتركة، وإن اختلفت بعد ذلك بعض مظاهر الحياة ومصادرها، ولأننا قدرنا أن ثمانية قرون من الاختلاط والاحتكاك بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس لابد أنها تركت آثارًا وخلفت بقايا ورواسب في مجال التراث الشعبي الإسباني عمومًا والأمثال منه خصوصًا.