عن هذا التعدد الديني واللغوي والثقافي الذي أشرت إلى بعضه بإيجاز شديد مظاهر متعددة من التأثيرات المختلفة تدخل في باب التأثير المتبادل بين الثقافات العربية والثقافة الأجنبية وهو موضوع مؤتمر المجمع هذا العام، وقد رأيت أن أتحدث عن التأثير المتبادل أو المنفرد بين الثقافة العربية والثقافة الإسبانية. ومن المعروف أن الراهب اليسوعي خوان أندريس كان أول من نبه في القرن الثامن عشر على تأثير الثقافة العربية في الثقافة الأوربية عبر الأندلس، وقد تعددت إشاراته إلى مظاهر هذا التأثير في العلوم والآداب الأوربية، وهي إشارات وصفها المستعرب الإسباني أنخل جنثالت بالنثيا بأنها مبهمة، وقال إنها بقيت"دون إثبات مؤكد في عصره لأن شيئًا من آثار الأندلسيين لم يكن قد"
نشر إذ ذاك ، أما اليوم وبعد ثمانين ومئة عام ونيِّفٍ من نشر كتابه (1) ، فإننا نستطيع أن نذكر عن تراث الأندلسيين أكثر مما ذهب إليه، وقد تحصل لدينا الآن من الحقائق التي كشف عنها وأثبتها المستشرقون من إسبان وغير إسبان ما يمكننا من أن نعرض موجزًا لآثار المسلمين الأندلسيين في آداب من جاء بعدهم من الشعوب الأوربية وخاصة الإسبان" (2) وقد عرض أنخل جنثالت بالنثيا مظاهر من هذه الآثار في كتابه الذي نقله إلى اللغة العربية الدكتور حسين مؤنس رحمه الله (3) ،وقبله أعلن أستاذه خوليان ريبيرا أن الموشحات الأندلسية هي أصل شعر التروبادور كما أعلن تلميذه الثاني ميجيل أسين بلاثيوس رأيه الذي بسطه في كتابه"الأصول الإسلامية للكوميديا الإلهية"وافترض فيه أن دانتي اطلع على"
ترجمة لقصة الإسراء وتأثر بها ثم صح افتراضه بعد ظهور ترجمات