ولنعد إلى عبارة الصحيفة التي أثبتناها لنقف على"التقنيات"فنقول: شاء المعنيون بالتعريب الحريصون على العربية أن يكون المصطلح بكلم عربي، وهو عندهم ألصق بالعربية من حيث إنها لغة عامرة تشتمل على الفوائد الجمة، ومن أجل ذلك كانوا
مدفوعين إلى أن يكون المصطلح الجديد كلمة عربية، ولا يصار إلى الكلمة الأجنبية إلا اضطرارًا .
لقد أرادوا بـ"التقنيات""les technologies"وتشبثوا بمادة عربية وهي"يقْن"بكسر التاء، وتفيد الرجل العارف الماهر في الصنعة والعمل .
أقول: ولا يمكن أن تكون"التقنيات"تعريبًا للكلمة الأجنبية والقاف فيها يقابل الكاف. هذا غير صحيح؛ لأن"التقن"بمعنى الماهر الصَّناع هو من الفعل"تقن"الذي جاء منه"أتقَنَ". وعلى هذا لا يمكن أن يكون هذا المصطلح العربي مؤديًا ما تؤديه"التكنولوجيا". وكأن المعربين لم يهتدوا إلى وجه"التقنيات"وصيغتها وذلك أن منهم من ينطقها بتشديد النون، ومنهم من يخفف النون.
ثم ما لبث أن كان هذا المصطلح العربي من الكلم المهجور، فقلما
نبصره في الكتب وغيرها، من مصادر العلم. وعادت"التكنولوجيا"وكأن المعربين رضوا بها فجعلوها معرَّبة على صيغتها ولم يغيروا فيها شيئًا.
وإذا كانوا قد قبلوا"التكنولوجيا" (*) ولم يغيروا فيها شيئًا، فقد قبلوا مواد كثيرة نجدها في الصحف وغيرها فما زلنا نرى في"التلفاز"الكثير من ذلك كقولهم في المصطلح السينمائي"سيناريو"، كما نجد"الأوتوستراد"و"الاستاد"القومي لكرة القدم، ولو أردنا أن نعرض لهذا لطال بنا الكلام .
وشيء آخر في لغة الصحف يتسم بالجدّة والطرافة، وهذه الجِدَّة هي توليد دلالة جديدة ومنها:
1-"أننا نقرأ في صحف هذه الأيام: أن السلطة الحاكمة قد"تحفَّظَت"على رئيس النقابة الفلانية و"التحفّظ"هنا لا"
يتصل بمادة"حفظ"ذلك أن المراد بـ"التحفظ"السجن أو نحو ذلك .
2-ونقرأ في صحف هذه الأيام: ينبغي"ترشيد"الاستهلاك .