"وإذا كان هؤلاء المترجمون لايتقنون اللغة العربية، فقد عينت في مدرسة الطب طائفة من المحررين والمصححين الأزهريين، وقد استطاع هؤلاء بما لهم من معرفة بكتب الطب العربية القديمة أن يمدوا المترجمين بالمصطلحات الطبية الصحيحة، كما كان لهم فضل كبير في تقويم أسلوب الترجمة العربي وتصحيحه، والبعد به عما يشوبه من لكنة وعجمة وركاكة."
أما المصطلحات الطبية الجديدة فقد اجتهدت الهيئتان معًا في ترجمتها أو وضع مصطلحات جديدة تؤدي معناها. ومن هؤلاء الرجال مجتمعين تكونت"أكاديمية"تكفل أمانة الترجمة وصحتها. وأصبح للطب في خمس سنين معجم مفردات"Vocabulaire"تزيد كلماته على ستة آلاف كلمة" [1] ."ومن أمهر أساتذة هذه المدرسة الدكتور"برون. Dr. Perron"الذي جاء لتعليم الطبيعيات ونحوها فيها. ويمتاز عن سائر الأساتذة الأجانب بمعرفة اللغة العربية، فإنه يعرفها معرفة جيدة، ولذلك كثيرًا ما كانوا يستعينون به في تحرير الترجمات عن الفرنسية، لمعرفته اللغتين المنقول عنها والمنقول إليها، فضلًا عن لغات أخرى. وقد خلف هذا الطبيب كتابين هما:
1 -"الأزهار البديعة في علم الطبيعة"طبع 1254 هـ. قال مؤلفه في مقدمته: بشأن اختيار المصطلح العلمي المناسب:"ثم إني لفهمي بعض الألفاظ العربية تجنبت من الألفاظ الفرنساوية ما يعسر ترجمته إلى العربية ..."
2 -"الجواهر السنية في الأعمال الكيمياوية"طبع 1260 هـ في ثلاث مجلدات بـ 1500 صفحة، وألحق بالجزء الأخير ذيل في 119 صفحة لشرح الآلات العلمية الواردة في هذا الكتاب. وهي بمثابة مصطلحات مرتبة على حروف المعجم. ففي هذا الملحق أسماء كثير من الآلات مازالت تستعمل حتى الآن في كتب الكيمياء الحديثة: مثل الأنبوبة والأنبيق والبودقة والجفنة وجهاز تعيين الوزن النوعي للهواء والغازات ودورق ولف والمخبار والمرشح ... إلخ. [2]
ولقد نهج الدكتور (برون) نهج شيخ رفاعة الطهطاوي في طريقته بالترجمة، وذلك بالحاق ذيل بالمصطلحات العلمية في كتابه"الجواهر السنية "ويكاد بعمله هذا يكون الوحيد من بين أساتذة المدرسة الطبية من الأجانب. ورتب هذا الذيل الشيخ محمد بن عمر التونسي محرر الكتاب ومصححه حسب حروف المعجم، والذي قدم له بقوله:
"وبعد: فلما من الله سبحانه وتعالى باتمام كتاب الكيمياء للماهر في جميع"
(1) الشيال، جمال الدين / تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي / 18 - 20 وعبد الكريم، أحمد عزة / تاريخ التعليم في عصر محمد علي جـ 1/ 258
(2) زيدان، جرجي / تاريخ آداب اللغة العربية / 4/ 169. والشيال / 66 - 67.