إنه ليصعب الفصل بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من حيث العمل في المصطلحات العلمية، وذلك لتداخل المرحلتين تداخلًا كبيرًا وتلاحمها تلاحمًا وثيقًا بحيث يصعب وضع حد فاصل بينهما، فالعمل فيهما يكاد يكون متصلًا حتى بوجود الباحثين من العلماء الذين عاصروا المرحلتين معًا، من استمرار أعمارهم الزمنية وأعمالهم العلمية، إلا أن تطورا قد حصل أمام هذا السيل من المصطلحات العالمية الأولى. حتى أن العالم أو الباحث يجد نفسه قد أعاد النظر فيما اقترحه أو وضعه من مصطلح خلال هذه المرحلة، فغير وبدل نتيجة هذا التطور. وخير مثال على ذلك أعمال الدكتور يعقوب صروف الذي تناولنا الكلام على جهوده المصطلحية في الفصل السابق، فقد بدأ في بداية الربع الأخير من القرن الماضي وانتهى بنهاية الثلث الأول من القرن الحالي، ومثله الدكتور أمين المعلوف، والدكتور محمد عبد الحميد، والأب أنسطاس ماري الكرملي وغيرهم ممن أتينا على ذكرهم في الباب السابق.
وكان المشرق العربي يشكل وحدة متكاملة تقريبًا في الجهود اللغوية لوضع المصطلح العلمي الحديث. إذ وجدنا تعاونا بين الأشخاص والمؤسسات وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واستقلال هذه الأقطار تمامًا عن الدولة العثمانية فكانت مجلة (المقتطف) من جهة ومجلة المجمع العلمي العربي بدمشق من جهة ثانية ميدانًا يتبارى فيه العلماء واللغويون في اظهار نشاطاتهم المصطلحية.
وسنتناول في هذا الباب، جهود المجامع اللغوية العلمية العربية في سورية ومصر والعراق والأردن، وكيف دعت الحاجة إلى تأسيسها لخدمة اللغة العربية والمحافظة عليها وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون، ملائمة لحاجات الحياة في العصر الحاضر، ولا بأس هنا من إلقاء نظرة سريعة على المحاولات الأولى التي بذلت في سبيل تأسيس مايشبه المجامع في مصر والشام.
من المعلوم أن محاولات تأسيس جمعيات لغوية علمية تعود بداياتها إلى منتصف القرن التاسع عشر، إلا أنها جميعًا لم يكتب لها النجاح والبقاء لأسباب عديدة.
ويبدو أن مصر كانت أسبق من الشام في هذا المضمار في عصر النهضة