أما الجهود اللغوية المبذولة في وضع المصطلح العلمي أو ترجمته في العراق، فلم يكن لها من وجود بالقدر الذي كانت عليه في مصر والشام، إن لم نقل أنها تكاد تكون نادرة بل معدومة. وهذا ما يوضحه أستاذنا الدكتور مصطفى جواد في محاضراته التي ألقاها على طلبة معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة إذ يقول:
"... وإذا كان الاصطلاح العلمي والاصطلاح الفني معتمدين على المعرفة بلغات الحضارة الجديدة كالانكليزية والفرنسية والألمانية واتقان اللغة العربية الفصيحة لم يكن من العراقيين في أول النهضة اللغوية الحديثة من اختص بالمصطلحات المذكورة ولا من ألم بها، لأن العناية كانت مصروفة إلى اللغة التركية لغة المسيطرين على العراق مستعملة في مخاطباتهم ورسمياتهم ومصطلحاتهم التي هي مزيج من التركية والعربية على النحو الذي يتخذونه ويفهمونه [1] ..."
"هذا وأول من تكلم على المصطلحات العلمية بالعراق أيام النهضة اللغوية الحديثة أحد الرهبان وهوالأب أنستاس ماري الكرملي، فقد أصدر ببغداد في رجب سنة 1329 هـ (تموز سنة 1911 م) مجلة عربية سماها (لغة العرب) عالج فيها. اللغة والأدب والمصطلحات والتاريخ العراقي، قال في أول جزء منها:"
(ثم اننا لا ندع ديوانًا من دواوين هذه المجلة إلاونورد فيه شيئًا من المصطلحات الحديثة، والأوضاع العربية الطريفة، مما يوسع لغتنا الشريفة، ويحدونا على مجاراة الأقوام المتقدمة في الحضارة المنيفة بما يستحدث فيها من الموضوعات العصرية، والمدلولات العقلية والأدوات الفنية أو الصناعية، والأفكار العلمية التي لا مقابل لها ولا مرادف في لساننا في هذا العهد لانقطاع نظام العقد بكثرة ما انتاب هذه الربوع من النوائب والرزايا، وانقطاع ديارنا عن معالم الحضارة ومعاهدها الغربية التي مازالت في سير حثيث سديد وتقدم وتجدد وتوسع وتولد، ونحن لا نزال في ريث وئيد ووقوف وجمود وخمود وركود [2]
وقد جعل الأب أنستاس لكل مجموعة سنوية من مجلته المذكورة معجمًا
(1) جواد، مصطفى / المباحث اللغوية في العراق / معهد الدراسات العربية العالية / 54
(2) جواد، مصطفى / المرجع السابق نفسه / 54 نقلًا عن مجلة لغة العرب مج1 (ص 3) .