المجمعيين الأول كانوا أميل إلى المنع وعدم التوسع في هذه الرخصة، وعبثًا أريد فيما بعد بسط الأمر وتوضيحه. وكأنما آثر المجمع أن يحل هذه المشكلة حلًا عمليًا، فأقر معربات كثيرة وحديثة في العلوم والفنون، وقبل ما اشتق منها من أفعال وأوصاف. وأصبح من المسلم به مثلًا أن الأولى باسم الجنس في العلوم والفنون أن يعرب لا أن يترجم، مثل أكسجين، الكترون، بارومتر، ترمومتر. وأصبح التعريب لا ينظر إليه في توجس وخيفة، كما كان الشأن من ذي قبل، على أن تمكن الباحثين والمترجمين من العربية يمدهم بزاد لغوي لم يكونوا يجدونه بالأمس.
ولا حاجة بنا أن نشير إلى أن هذه القرارات اللغوية لم تصدر لأول وهلة، بل عانى المجمع فيها ما عانى، وطال فيها الأخذ والرد. فدرست في اللجان، ونوقشت في المجلس والمؤتمر، واستشهد لها واعترض عليها، ومن بينها ما أعيد النظر فيه وعدل. ومن حسن الحظ أن من بين اللغويين القدامى من استمسك بالقياس والاجتهاد أمثال أبي علي الفارسي وابن جني، وفيهما نصرة للمجددين من المعاصرين، ولهما جملة مشهورة كثيرًا ما استشهد بها:"ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب [1] .."
وقال الأستاذ الشهابي موضحًا رأيه في قرار المجمع الآنف الذكر:
"وهذا القرار يجيز للعلماء تعريب المصطلحات العلمية، إذا لم يكن من المستطاع ايجاد ألفاظ عربية بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز. وقيد (الضرورة) يشير إلى ذلك. وفي الجزء السادس من مجلة المجمع محاورة طريفة بين أعضاء المجمع المتشددين في موضوع التعريب، وأعضائه المتسامحين فيه .. وسنرى أن هنالك ألفاظًا علمية أعجمية نستطيع أن نجد أو أن نضع لها ألفاظًا عربية سائغة وأن هنالك ألفاظًا أعجمية أخرى لا يمكن بل لا يجوز إلا تعريبها. وفي الحالين أرى أن قيد (الضرورة) الذي وضعه المجمع للتعريب هو ضرورة. أقول هذا لأني عارف بسخافات بعض أساتيذ العلوم الحديثة، الذين عربوا ألفاظًا علمية أعجمية، كان في استطاعتهم أن يجدوا لها ألفاظًا عربية مقبولة بقليل من الجهد، ومن المعرفة بأصول تلك الألفاظ الأعجمية وبمعانيها [2] ."
ثم يتابع الشهابي بيان وجهة نظره في حاشية بأسفل الصفحة نفسها فيقول:
"لا أرى مسوغًا للخوف من كثرة المصطلحات العلمية التي تضطر إلى"
(1) مدكور، ابراهيم/ مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا، ماضيه وحاضره/ 44 - 45.
(2) الشهابي، مصطفى/ المصطلحات العلمية في اللغة العربية/ 71 - 72.