الوجه الأول: أن الأثر ضعيف كما تقدم بيانه.
الوجه الثاني: أننا لو فرضنا صحته؛ فلابد لمن سافر لديار المشركين من إظهار الدين، وإظهاره إنما يحصل بتبيين بطلان آلهتهم التي يعبدون من دون الله وإظهار بغضهم وعداوتهم والبراءة منهم، وليس إظهار الدين أداء الصلوات الخمس فحسب كما يقوله من لم يمعن النظر في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وما عليه الصحابة، ولذلك هو في غاية البطلان؛ إذ أنه يؤدي إلى ترك الهجرة وكفى بقول يؤدي إلى ذلك فسادًا وبطلانًا [1] .
وقد روى النسائي وغيره بسند جيد من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين» [2] .
وجاء الحديث أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» . قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: «لا تراءى ناراهما» .
رواه: أبو داود، والترمذي، وغيرهما وفيه كلام ويشهد له ما قبله.
ولله درُّ العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله إذ يقول:
إظهارُ هذا الدِّينِ تَصْريحٌ لهُمْ ... بالكُفْرِ إِذْ هُمْ مَعْشَرٌ كُفَّارُ
وعَداوَةٌ تَبْدو وبُغْضٌ ظاهِرٌ ... يا لَلْعُقولِ أما لكُمْ أفْكارُ ...
ج
هذا وليسَ القَلْبُ بكافٍ بُغْضُهُ ... والحبُّ منهُ وما هُو المِعْيارُ
لكِنَّما المِعْيارُ أنْ تأتي بهِ ... جَهْرًا وتَصْريحًا لهُمْ إِذْ جاروا
وقد شوهد على الكثير ممن يذهب إلى ديار المشركين أنه يؤاكلهم ويشاربهم ويضاحكهم دون نكير عليهم! فأين هذا من إظهار الدين؟! والمصيبة العظيمة والجرح الذي لا يندمل أن هذا حال كثير من أهل هذا العصر إذا ذهبوا إلى ديار المشركين، يخادعون الله وهو خادعهم!
وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ومشاربهم لا يبالون بما جرى عليه؟!
(1) انظر: «الدرر السنية» (كتاب الجهاد/ص 206) .