الفصل الرابع
تنبيهات حول مسألة العهد والأمان
المسألة العاشرة: بيان تناقض القائلين بالعهد:
هذا ما يتعلّق باستدلال القائلين بالعهدِ. على أنَّهم تناقضوا وغلطوا وخلطوا فيه من وجوهٍ:
1.تسمية العدوَّ نفسه في بلد آخر حربيًّا، ومحصّل هذا أنَّ قتاله في تلك البلاد جائزٌ لأهل تلك البلاد وغيرهم من المسلمين، وكذا إعانتهم على قتالهم، والمعاهد لا يجوز لمن عاهده من المسلمين أن يُقاتله في بلدٍ ما، ولا يكون حربيًّا في مكان معاهدًا في مكانٍ لطائفةٍ واحدةٍ من المسلمين أبدًا.
2.التفريق بين الأمريكان وحكومتهم في الحكم، و سمّوهم معاهدين مع أنَّ العهد لدولهم، ووجّهوا بأنَّهم قد لا يؤيّدون تصرّفات دولتهم، وهذا خلطٌ حيثُ جعلوهم تابعين لها حين أرادوا إلحاقهم بعهدها، وأخرجوهم عن التبعيَّة لها حين أرادوا التفريق بينهم وبين دولهم في انتقاض العهد نفسه.
3.الاعتقاد أو القول بأنَّ دماء الكفَّار هنا معصومةٌ في الأصل، فأرادوا بنفي تبعيّتهم لدولهم أن يبقوها على العصمة، مع أنَّ دماء الكفَّار مهدورةٌ حتى يعصمها عاصمٌ من عهد أو ذمّة أو أمانٍ، إلا المرأة والصبيَّ والشيخَ الفانيَ ونحوهم، كما ذكروا في الجواب نفسِهِ.
4.تعليق تحريم قتل هؤلاء بأنَّهم قد يكونون معارضين لسياسة دولهم، ومعنى هذا اشتراط معرفة كونهم موافقين سياسة دولهم في مقاتلة كل قومٍ من الكُفَّار كاليهود في إسرائيل وغيرهم لأنَّ الاحتمال قائمٌ فيهم، بل فيهم يقينًا من هم معارضون لسياسة دولهم، وهذا الشَّرطُ مما يُعلم من السُّنَّة والسيرة اضطرارًا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ومن بعده من الصحابة والتابعينَ وأهل الإسلام على اختلاف الطوائف لم يكونوا يستبينونه، ولا يستفصلون عنه، مع أنَّ الشَّرط لا يجوز بدء القتال قبل التحقق من وجوده.
5.أنَّ الكلام في الذي لا يؤيّد سياسة دولته كلام مضطرب، فمقتضى هذا الكلام [[1] ]أنَّه حربيٌّ معصوم الدم لأنَّه لم يُقاتل ولم يؤيِّد من يُقاتلنا من قومه، وهم يسمّونه معاهدًا، مع أنَّ العهد لا يكون إلا مع دولته التي سمّوها معاهدةً هنا، محاربةً في أفغانستان، وإذا كان لدولته العهد كان لكلِّ رعاياها، ولا معنى لاختصاصه بعدم تأييد سياسة دولته.
6.الخلط بين العهد والأمان، لأنَّ الأمان يمكن أن يكون لبعض أفراد الدولة الحربيَّة، بخلاف العهدِ الذي يكون لعظيم القوم، وينسحب على رعاياه جميعهم.
7.أنهم جعلوا عدم تأييد سياسة دولته موجبًا لبقاء العهد، فمقتضاه أن عين سياسة دولته موجبةٌ لانتقاض العهدِ، وهم يصحّحون العهد ويوجبون العمل به.
إلى غير ذلك من التناقضات. . . . .
المسألة الحادية عشرة: أن من كان من الكفار شبهة عهد تزول بالإنذار وحده ممن يجوز له مجاهدتهم:
وكلَّ من قلنا فيما تقدَّم: ليس له عهدٌ، فإن دمهُ لا يحلُّ بذلك مجرّدًا، بل يبقى له شبهةُ عهدٍ، وكذا من أعطي أمانًا باطلًا، وعلى من يريد مقاتلتهم إنذارهم، وشبهة العهد تزول بالإنذار وحدهُ، ولا يشترط أن يكون من إمامٍ، بل من يجوز له أن يجاهدهم، يجب عليه قبل جهادهم أن يُنذرهم.
المسألة الثانية عشر: لا يشترط إنذار من له عهدٌ صحيحٌ، أو شُبهةُ عهدٍ، ثمَّ كان النكثُ منهُ:
(1) جاء في جواب الإسلايوميين على التفريق بين التفجيرات في الجزيرة والعمليات الاستشهادية في فلسطين والشيشان وأفغانستان: أن الكفار في المملكة العربية السعودية معاهدون، فلا يجوز إيذاؤهم ولا الاعتداء عليهم ما داموا مقيمين لعهدهم لم يباشروا شيئًا من هذا. وربما لا يرضون بسياسة دولته ولا معاملتها للمسلمين، فلا ينبغي أن يحملوا أوزار غيرهم، والله يقول:"ولا تزر وازرة وزر أخرى"ويقول:"ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".