الفصل السادس
التترس أحكام ومفاهيم
كلّ قول للمخالفين [[1] ]عن هذه المسألة فيه من التلبيس أو سوء الفهم نصيبه، وقد كنتُ أنوي أن لا أتعرّض لمثل هذا لولا أنَّه مبنى إجابات القوم وردودهم، ومستند المجيبين في أكثر فتاواهم، وليس أدلَّ على ذلك من خلطهم بين حديث العالم عن حكم المسألة، وحديثه عن الموضع المتّفق عليه منها، وبترهم من الكلام ما يرون أنَّه يردُّ عليهم، وخصوصا كلام شيخ الإسلام عن مسألتنا، وإليك تمام كلام ابن تيميَّة الذي ينقلونه:"وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء فإنَّ الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرَّة ما هو دونها، ولهذا اتّفق الفقهاء على أنَّه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلاَّ بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان، ومن يسوّغ ذلك يقول: قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء .." (20/ 52 - 53)
• وقال في موضعٍ آخر:"وقد اتفق العلماء على أنَّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون وان أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء. وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإنَّ المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل- وهو في الباطن لا يستحق القتل - لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنَّه قال:"يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال يبعثون على نياتهم"فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين؟! كما قال تعالى:"قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا"ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز، فإذا قتلناهم بأمر الله"
(1) قال الإسلايوميين في جواب لهم على مسألة التترس: قياس قتل المسلمين في عمليات التفجير في الرياض على قتل المسلمين إذا تترّس بهم الكفار قياسٌ مع الفارق من عدة وجوه:
الوجه الأول: ما قرره أهل العلم من أن قتل المسلمين المتترس بهم لا يجوز إلا بشرط أن يُخاف على المسلمين الآخرين الضرر بترك قتال الكفار، فإذا لم يحصل ضرر بترك قتال الكفار في حال التترس بقي حكم قتل المتتَّرس بهم على الأصل وهو التحريم. فجوازه ـ إذن ـ لأجل الضرورة، وليس بإطلاق. وهذا الشرط لابد منه إذ الحكم كله إعمال لقاعدة دفع الضرر العام بارتكاب ضرر خاص (الأشباه والنظائر لابن نجيم ص96) . قال القرطبي: (قد يجوز قتل الترس وذلك إذا كانت المصلحة ضروريَّة كلية ولا يتأتى لعاقل أن يقول لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه , لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين) الجامع لأحكام القرآن (16/ 287) .
أما لو قتل المسلمون المتترس بهم دون خوف ضرر على المسلمين ببقاء الكفار فإننا أبطلنا القاعدة التي بنى عليها الحكم بالجواز. فقتل المسلمين ضرر ارتكب لا لدفع ضرر عام بل لمجرد قتل كُفَّار. قال ابن تيمية: (ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك) مجموع الفتاوى (20/ 52) .
فأين هذه الضرورة في قتل المسلمين الذين يساكنون النصارى في تلك المجمعات السكنية المستهدفة؟؟
الوجه الثاني: أن مسألة التترس خاصة بحال الحرب (حال المصافّة والمواجهة العسكرية) ، وهؤلاء الكفار المستهدفون بالتفجير لسنا في حال حرب معهم، بحيث يكون من ساكنهم من المسلمين في مجمعاتهم في حكم المتَترَّس بهم. بل هم معاهدون مسالمون.
الوجه الثالث: بيَّن أهل العلم أن قتل المسلمين الذين تترس بهم الكفار لا يجوز إلا إذا لم يتأتَ قتل الكفار وحدهم. والكفار المستهدفون في تلك التفجيرات يمكن قتلهم (على فرض أنه لا عهد لهم ولا ذمة وأن دماءهم مهدرة) دون أذية أحد من المسلمين فضلًا عن قتله.
فتبين من هذه الأوجه الثلاثة أن قياس المسلمين الذين يساكنون الكفار في المجمعات السكنية على مسألة التترس قياسٌ فاسد.
أما الطائفة الممتنعة: فهي التي تمتنع عن إقامة شيء من شعائر الإسلام الظاهرة ولها شوكة فلا تلزم بإقامة هذه الشعيرة إلا بالقتال كقرية اجتمعت على ترك الأذان مثلًا وكان لها شوكة لا يمكن إلزامهم بالأذان إلا بالقتال. أما لو امتنع أفراد أو جماعة لا شوكة لها ولم يقاتلوا فلا يقاتلون بل يلزمون بأمر الشارع.
ومن امتنع عن أداء الزكاة من العرب بعد موت النبي - - صلى الله عليه وسلم - كان لهم شوكة وقوة لا يتأتى إلزامهم إلا بقتال وقد قاتلوا فقاتلهم أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم.
أما الممتنع عن الزكاة بدون شوكة فقد حكم فيه النبي - - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"فإنا آخذوها وشطر ماله".
وعليه فإن اعتبار من أقام في مجمع سكني لا تقام فيه أحكام الله لا يكون في حكم الطائفة الممتنعة حتى ينذره الإمام ويأمره بإقامة شرع الله فإن امتنع وكانت له شوكة أو قاتل جاز قتاله حتى يذعن.
قال ابن تيمية: (ولا يقتل من ترك الصلاة أو الزكاة إلا إذا كان في طائفة ممتنعة فيقاتلهم لوجود الحراب كما يقاتل البغاة) مجموع الفتاوى (20/ 100) .