فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 57

الفصل العاشر

شبهات وردود حول مسألة إخراج المشركين من جزيرة العرب

الشبهة الأولى: أن هذا الحديث محمول على منع الإقامة والاستيطان:

حمل هذا الحديث على الإقامة والاستيطان فيحرمان دون العمل والاستئجار، يجاب عليه من وجوه:

1.أنَّ وجود الصليبيين اليوم وجود استيطانٍ، وإن لم يكن لأفرادهم، فإنَّ مجموعهم مقيمون والأفراد يتبدّلون فهم كجيشٍ مقيمٍ لا تذهب سرية منه حتّى تخلفها سريَّةٌ، والعقود التي اقتضت بقاءهم عقود مؤبَّدةٌ.

2.أنَّ ما يستدل به من النصوصِ هو في كفَّار موجودين أصلًا، يُقرُّون لحاجة المسلمين، وهذا يختلف عن إدخالهم ابتداءً، وفرقٌ بين تأجيل العمل بوصيَّة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والعمل بضدِّها، ومشاقّته وردّ أمره.

3.أنَّ دخول الصليبيين تضمّن منكراتٍ وموجباتٍ لإخراجهم غير مجرّد دخولهم، فإن صحّ ما ذكروه في عموم استئجار الكفّار وعملهم، فإنَّه لا يصحُّ في حال الصليبيين.

وبالنسبة لحصر الإنذار بالإمام فباطلٌ، والإنذار شرطٌ للجهاد، فمن جاز له أن يُجاهدهم وجب عليه أن يُنذرهم، فهو شرطٌ من شروط الجهاد على المجاهدين استيفاؤه، على أنَّ الصورة التي منها وجود الصليبيين في أرض الحرمين، ليست مما يُشترط فيه الإنذار كما قُدِّم.

والجهاد لا يلزم أن يكون بإمارة أميرٍ، ولم يشترطه أحد من أهل العلم في جهاد الدفع البتة، بل نصُّوا على عدم اشتراطه في جهاد الدفع، وما أحسن ما قال المجدد الثاني عبد الرحمن بن حسن (الدرر 8/ 199) :"ولا يكون الإمام إمامًا إلا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل".

الشبهة الثانية: أن هذا الحديث وحده هو مستند المجاهدين في قتال الصليبيين:

إن قصد المخالفون اعتبار اجتهاد المجتهدين في المسألة، وعدم الإنكار على حاكمٍ أخذ بأحد القولين، فكلامهم حقٌّ لو كان المجاهدون يستندون إلى هذا وحده، ولو لم يكن في وجود الصليبيين اليوم في جزيرة العرب إلاَّ هذا، لأنكرنا والله كل عمليَّةٍ ضدَّهم وإن كان الصحيح عندنا عدم العهد، اعتبارًا لاجتهادِ من يجعل الجزيرةَ الحجازَ وحدهُ، ولعدم وجود إمامٍ يُلزم المخالفون بحكمه في ترجيح أحد القولين، ولكنّ الحال أنَّ وجود الصليبيِّين في الجزيرة لو كان في غيرها من بلاد المسلمين كان منكرًا، واحتلالًا واجبًا دفعه وإخراجهم كما قدّمنا، فكيف وقد اجتمع إليه اعتقادنا رجحان تحريم الجزيرة عليهم، وأنّهم بدخولهم في الصورة التي دخلوا فيها خرجوا من محلِّ النِّزاع، وصار جهادهم واجبًا بالاتّفاق، وأنَّ الجزيرة إن كانت محرمة الدخول على أفرادهم، فهي أشدُّ حرمةً وأعظمُ شأنًا في الصورة التي دخلوها فيها محتلِّين، والتي لم تقع في تاريخ الإسلام قطُّ؟

الشبهة الثالثة: أن الصليبيين الموجودين في بلاد الحرمين أهل وفادة.

وتسمية الصليبيين اليوم بأهل الوفادة، فما أدري أجهل باللغة، أم بالشَّرع أم عمىً أم تعامٍ! وأي معنى للوفادة في الموظّفين في قواعد عسكريَّة أو مدنيَّة، أو في عملٍ أيِّ عملٍ؟

ووافد القوم من يبعثونه في حاجةٍ لهم، والوفد الذين في الحديث، كما يعلم طلاب العلم الصغار: الذين يأتون النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ من بعده إمَّا مسلمين، وإمَّا سائلين عن الإسلام، وإمَّا طالبين الدخول في حكم الإسلام، فأين من هذا الأمريكان؟

الشبهة الرابعة: أن الصليبيين الموجودين في بلاد الحرمين كالرقيق.

وأعجب ما ذكر عن هؤلاء الصليبيين، من جعلهم كالرقيق، والرقيق مالٌ من سائر المال، فمُسوِّغ دخوله أنَّه مملوك لمسلم، فإنْ كان الأمريكان كذلك فليس للمجاهدين أن يُتلفوا أموال المسلمين من الإماء والعبيد بتفجيرها وتدميرها، على أنَّ الحال بضدِّ هذا، والمُسترَقُّ غيرُهم، والمُستعان الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت