فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 57

الفصل الأول:

الأمر بالرد إلى الله ورسوله في النزاع

المسألة الأولى: أيها العلماء. . ."ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا":

إن المجاهدين وعلماءهم لا يطالبون المخالفين بالقول بجواز العمليَّات، ومتابعة المجاهدين وتقليدَهم في العلميَّات والعمليَّات، وإنَّما المراد أمران:

1.إعطاء المسائل حقَّها.

2.وإعطاء المُخالف في موضع الاجتهاد حقَّه.

وقد أمر الله بالرَّدِّ إليه عند التّنازع، والنزول عند حكمه والاستسلام له، فقال عزَّ وجلَّ: {فإن تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ، وقال: {فلا وربِّك لا يؤمنون حتّى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيتَ ويُسلِّموا تسليمًا} .

وأكثر المخالفين للمجاهدين، من إخواننا طلبة العلم، ومشايخنا العلماء [[1] ]،ومن تزيَّى بزيِّهم ونسب نفسه إليهِم وعدّه النَّاس في زمرتهم، لا يردُّون مسألة النِّزاع إلى الدليل عند التخاصم، بل يأبون الكلام على محلِّ النِّزاع، ويتعامون عنه، ويعرضون عمّن يدعوهم إليه، وبالمثال يتضح المقال [[2] ]

(1) للعالم في الشريعة المكان الَّذي لا يخفَى، حتّى استشهده الله على أعظم شهادةٍ فقال {شهدَ اللهُ أنَّه لا إله إلا هو والملائكةُ وأولوا العلم} ، وقال سبحانه: {إنَّما يخشى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ} ، وخصَّهم بمزيدٍ من الرفعة في قوله سبحانه: {وإذا قِيْلَ انشُزوا فانشُزُوا يَرفعِ الله الَّذينَ آمنوا مِنكُم والَّذين أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} .

والعلماء ورثة النبوّة، وحرّاس الشريعة، وعلماء هذه الأمَّةِ فيها بمنزلة أنبياء بني إسرائيلَ يسوسونهم ويبصّرونهم بدين الله عزَّ وجلَّ.

والعالم هو المبلِّغ دين الله، المُؤتمنُ على شريعة الله، الموقِّع عن ربِّ العالمين، المكلَّف بتبيان الكتاب للناس.

وأعظم أمانةٍ حُمِّلها أحدٌ أمانةُ العلماء من وراثة الأنبياء والقيامِ في مقامِهِم، فكان لمن أدَّى الأمانة أعظمُ المراتبِ وأجزلُ الثوابِ من الله سبحانَهُ، وكان على من خانَ منهم أشدُّ العقوبة، وله أسوأ الأمثال.

فضرب الله لعالم السوء في كتابِهِ مثَلَي سوءٍ ما ضربَهُما لغير العالم، {واتلُ عليهِم نبأ الَّذي آتيناهُ آياتِنا فانسلخَ منها فأتبعَهُ الشَّيطانُ فكانَ من الغَاوينَ * ولو شِئنا لرفَعناهُ بِها ولكنَّهُ أخلَدَ إلى الأَرضِ واتَّبَعَ هواهُ فمثلُهُ كمثَلِ الكَلبِ إن تَحمِل عليهِ يَلهَثْ أو تَترُكْهُ يَلهَثْ} ، {مثلُ الَّذين حُمِّلوا التَّوراةَ ثُمَّ لم يحملوها كمثلِ الحمارِ يحمِلُ أسفارًا} ، فهم بين صفتي الكلب والحمار.

ولو تأمَّلتَ ما قصَّ الله من ضلالِ بني إسرائيلَ وذمَّه عزَّ وجلَّ لهم، لوجدتَ أكثرَ الذَّمِّ فيهِ لعلمائِهِم وأحبارِهِم، الَّذين افتروا على الله الأكاذيب، واختلقوا الطرائقَ للكذب على الله وتدليس الدين على الناس.

ومن الجهل البالغِ، والبُعدِ عن فهمِ الشريعةِ ونصوصِهَا ومقاصِدِها المطالبةُ بالسُّكوتِ عن كلِّ من سُمِّي عالمًا، والمبالغةُ في تعظيمه وتحريم مراجعته فتاواه، أو الرد عليه فيما أخطأ فيه.

ويلزمُ من يقولُ بهذَا أنَّ عالم السوءِ يجبُ السكوت عنه وتركُهُ يفسد الدين والدنيا، فإن قيلَ عالمُ السُّوءِ خارجٌ من هذا، فلا بدَّ من معرفةِ عالمِ السوءِ من هو، ومعرفة العالم المعيَّنِ هل هو عالمُ سوءٍ أم لا؟ وإن مُنعَ من تتبع ما أعلنَ من أقوال، وما سلك من طرائق، وعرض ذلك على الكتاب والسنّةِ، والحكم عليه بما ينتُجُ من ذلك العرضِ، إن مُنع ذلكَ لم يمكن معرفةُ عالمِ السوء بحال، بل يبقى في الأمة يفتك بدينها وأخلاقِها، ويحرسُ أعداءها، ويزكِّي من ينوي الشر والفساد بها، باسم حرمة العالم ومكانةِ حَمَلَة الشريعة التي هو منها بريء وهي منه براء، ولو أُدخل على قومٍ من ليس منهم في النسب غضبوا ولم يرضوا بذلك ولو كان فاضلًا، فكيف يدخل في صفِّ العلماء من شبَّهه الله بالحمار والكلب.

والعالمُ بمعناه الشرعيِّ الخاصِّ، وهو المعنى المحمود لا يكون إلاَّ صادقًا صادعًا بالحقِّ، ولهذا وصف الله العلماء بخشيتِهِ حقًّا، وذكر ابن القيِّم إجماع السلف على أنّ اسم الفقيه لا يستحقُّه أحدٌ بالعلم دون العمل.

وأمَّا العالم الَّذي يكتُمُ الحقّ، ويلبسُهُ بالباطِلِ، ويصدُّ عن دين اللهِ، فهو وإن كان داخلًا في مطلق اسم العالم، إلاّ أنَّه لا يسوغ تسميته بالعالم إلاّ مقيّدًا فيُقال: عالمُ سوءٍ، وعالمُ ضلالةٍ.

وقد فصَّلَ الله عزَّ وجلَّ في كتابِهِ أحوالَ عُلماء السوء أكثرَ ممّا فصَّل أحوال العلماء الصادقين، لئلاَّ يلتبس عبدُ دنياه المتّخذ دينَه أحبولةً لدنياهُ، بالعالم الَّذي عُلِّقت به الأحكامُ، وفُضِّل على سائر الأنام.

فلا يسوغُ لمن يُؤمن بالله أن يطلق اسم العالم على من ذمَّه الله وحذَّر منه، وأن يعظّمه ويأتمنه على الشريعة والعبادِ، وأماراتُ عالمِ السوء في كتاب الله ظاهرةٌ فمنها:

كتمانُ ما أخذ الله ميثاقَهُ ببيانِهِ كما في قول الله عزَّ وجلَّ: {وإذ أخذَ اللهُ ميثاقَ الَّذين أُوتوا الكتاب لتُبيِّنُنَّه للنَّاسِ ولا تكتُمُونَهُ فنبذُوهُ وراءَ ظُهُورِهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون} ، {إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزلنا من البيِّنات والهُدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب أولئكَ يلعُنُهم الله ويلعنُهم اللاعنون} .

وقد أشار الله عزَّ وجلَّ إلى عظيم جرم الكاتم لما أنزل الله من البيّنات والهدى بقوله: {من بعدِ ما بيّنّاه للناس} ، فإنَّ من الظلم العظيم أن يحبس عن الناس حقًّا لهم وهم في حاجةٍ إليه، فكيف بالهدى الذي هم أحوجُ إليهِ منهُم إلى الطعام والشراب؟، والله يخبر أنَّه بيّنه للناس في الكتاب ولكنَّ هذا الظالم يكتُمُه، والّذي كتمه هذا الظالم المبدّل بيّناتٌ، وأدلّةٌ وأماراتٌ توضح للناس السبيلَ، وتكشف الشبهة وتنير الطريقَ، وهو هدىً يهديهم به الله إلى ما هو خيرٌ لهم في كل صغيرٍ وكبيرٍ من أمر دُنياهم وآخرتِهِم، فمن كانت هذه جريمته فلا غرو أن يلعَنَهُ الله الذي ائتمنه على الكتاب فخان الأمانة، ولا عجبَ أن يلعنه اللاعنون الَّذين حبسَ عنهم الهدى وكتم عنهم البيّناتِ، وأن تناله لعنةُ كلِّ لاعنٍ؛ إذ ليسَ من معنىً يستوجبُ اللَّعنَ إلاَّ هو فيه.

وبئسَ ما اشترى هذا المشتري الَّذي نبذ كتاب الله وراء ظهرهِ، واستوجب هذه اللعنات العظيمة، وأضلَّ الناس عن علمٍ وعمدٍ، لقاءَ دراهِمَ معدودةٍ، وثمنٍ قليلٍ من الدنيا الزائلةِ.

وأشدُّ من هذا حالُُ الّذين: {يكتُبُون الكتابَ بأيدِيهِم ثمَّ يقُولونَ هذا من عندِ اللهِ ليشتروا به ثمنًا قليلًا} ، و {يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسَبُوه من الكتابِ وما هو من الكتابِ ويقولونَ هو من عند اللهِ وما هو من عندِ اللهِ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} .

{ألم تر إلى الَّذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب يُؤمنون بالجبتِ والطَّاغُوتِ ويقولون للَّذين كفروا هؤلاءِ أهدَى من الَّذينَ آمنُوا سبيلًا * أولئكَ الَّذين لعنهُمُ اللهُ ومن يلعنِ اللهُ فلن تجِدَ لهُ نصيرًا} .

{فخَلَفَ من بعدِهِم خلْفٌ ورِثوا الكِتابَ يأخُذُون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولون سيُغفرُ لنا وإن يأتِهِم عَرَضٌ مثلُهُ يأخذُوه، ألم يُؤخذ عليهِم ميثاقُ الكِتابِ أن لا يقُولوا على اللهِ إلاَّ الحقَّ؟ ودرسوا ما فيه، والدَّار الآخرة خيرٌ للَّذين يتّقون، أفلا تعقلون؟} . {ألم يأنِ للَّذين آمنوا أن تخشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالَّذين أُوتوا الكتابَ من قبلُ فطالَ عليهِمُ الأمَدُ فقَسَت قُلُوبُهم وكثيرٌ منهم فاسِقُون} .

والمتكلم في الفتيا يحتاج إلى نوعين من الفقه، أحدهما الفقه عن الله وفهم نصوص الشريعة، والثاني فقه معرفة الواقع الَّذي تُنزَّل عليه الفُتيا.

وكلا هذين الجانبين ليس للعلماء الرسميِّين منهُ ما تحصلُ به الكفايةُ المزعومةُ، وسأتجنَّبُ الحديثَ عنهم بالأسماء إذ المقصودُ الحديثُ عن صحّة وجود المرجعيَّة العلميَّة الكافية، ولا بدَّ من الحديثِ عن هذا الجانب بوضوحٍ لأهمِّيَّته وخطورةِ مُخادَعَةِ الأُمَّةِ فيهِ، ولا يَقول عاقلٌ بالسُّكوتِ عن حَقِيقةٍ أُنيطت بها أحكامٌ شرعيَّةٌ عظيمَةٌ، فكيف بما كان بهذه المنزلةِ؟، وأوجزتُ الحديثَ عن الكفاية العلميَّة لدى الرسميِّين في معالمَ ثلاثةٍ:

المعلم الأوَّل: القُصُور في مَعْرفَة الأحْكامِ الشرعيَّة.

المعلم الثاني: الجهل بالواقع.

المعلم الثالث: التهرُّب من تنزيل الأحكام الشَّرعيَّة على الواقِع.

المعلم الأوَّل: القُصُور في معرفة الأحْكام الشَّرعِيَّة:=

=يتوهّم من ينظر إلى المنتسبين إلى العلم من بعيدٍ، ويرقبُ شيئًا من المظاهر العلميّة كجداول الدُّروس والمحاضرات، أنَّ الرَّسمِيِّين ممن تضلَّع بالعلوم الشرعيَّة وتشبَّعَ بكُتبِ الفقهِ والحَدِيثِ حفظًا وفهمًا، وألفَ كتبَ الفروعِ والقواعدِ الفقهيَّة، وجردَ مطوّلاتِ الأصول والاعتقاد، ولم يبقَ لهُ إلاَّ العَمَلُ بما يعلَم والصَّدعُ بالحقِّ وبيانُهُ.

وهذا التصوُّرُ لا نصيبَ له من الصحَّة، وهو أبعدُ ما يكون عن واقع هؤلاء الرسميِّين، إلاَّ أنَّ القريبَ من الواقعِ يلحَظُ بعدَهُم عنه وعزوفَهم عن معايشته، والقريبَ من الأوساطِ العلميَّة يلحَظُ قصورَهُم الظَّاهرَ في العلوم الشرعيَّة.

ومثلُ هذا النسبة الزائفة إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة النجديَّة، التي يتوهَّمُها البعيد عنهم، أو البعيدُ عن أئمَّة الدعوة النجديَّة، وقد برَّأ الله أولئك الأئمَّة الأعلام من هؤلاء المدّعين، والأدهى والأغربُ أنَّهم يتصوّرون تمثيلهم لهذه الدعوة المباركة وقيامَهُم بها على أتمِّ وجهٍ.

وواقعُ الرسميِّين في علومِ الاعتقادِ، والتفسيرِ، والفقهِ، والحديثِ، وأُصول الفقهِ، واللغةِ؛ يمثّل صورةً من غياب العلم الشرعيِّ واندراسِهِ، ويُذكِّر بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"حتّى إذا لم يُبقِ عالمًا اتّخذ النَّاسُ رؤوسًا جهّالًا؛ فسُئلوا فأفتوا بغيرِ علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا".

وهم مع هذا قليلو الاطّلاع على كتب فنون العلم، لا تكاد تجد فيهم من اطَّلع في الفقه على أكثر من الروض المربع والمُغني في بعض المسائل، ولا من قرأ الدرر السنيَّة، أو طالع شيئًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم في الاعتقاد حاشا المتون المختصرة كالواسطية والتدمرية، ولا من له اطّلاع متوسّط على كتبِ شروحِ الحديثِ، أو على الكتب الأُمَّاتِ في التفسير كالقرطبي وابن جريرٍ الطبريِّ.

وهذا لا يعني انعدامَ من يُحسنُ شيئًا من العلوم نظريًّا، فمنهم من يجيد مسائل الاعتقاد، ومنهم من له بصرٌ بالأصول والقواعد وتعمُّقٌ فيها، مع انعدامِ من له بأوّلياتِ علومِ الحديثِ المتنوّعة إلمامٌ، ومع خلوِّهم التامِّ من إدراكِ شيءٍ من علوم اللغة، حتّى إنَّ من يُحسن متن الآجرُّوميَّة في النحو ولا يحسن غيره في النحو ولا سائر علوم اللغة، يعدُّ إذا قيس إليهم لُغويًّا مُجيدًا.

وقد تأمَّلتُ كثيرًا من فتاواهُم فرأيتُها فتاوى معتزلةٍ، لا تستند إلاّ إلى التحسين والتقبيح في كثيرٍ منها، بل سمعتُ منهم من يجوِّز صورةً من صور الرِّبا الصريح الذي لا يُختلفُ فيه متعلّلًا بأنَّ من الناس من يحتاجُ إليهِ، ولو جُمعَت الفتاوى المنكرة التي تصدر عنهم لاحتاجت إلى مُجلَّداتٍ.

أمَّا منزلةُ من يُفتي بالنصوص بعد أن يعرف ناسخَها ومنسوخَها، ومُجْملَها ومُبيَّنها، ويجمع بين متعارِضِها، بعد أن ينقُدَها ويستخرِجَ صحيحَها من ضعيفِها، ومحفوظَها من شاذِّها، وغريبَها من مشهورِها، ويحقِّق في معاني الآياتِ واختلاف المفسِّرينَ، ثمَّ يُخرِّج الفروع على الأصولِ، ويُعيدُ المسائلَ إلى القواعِدِ، أمَّا هذه المنزلةُ فلا ذكرَ لها ولا وجودَ لمن يحسنها، مع كثرةِ ما يطرقُ سمعَكَ اسمُ العالم العلاّمة، والألقاب الأعجميَّة من السماحةِ والفضيلةِ، ولكنَّها:

ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضِعِها ... كالهرِّ يحكي انتفاخًا صَولةَ الأسدِ

ولو تأمَّلتَ واقعَ طلبَةِ العلمِ وتحصيلَهُم وقستَ إليهِ ما لدى هؤلاء الرسميِّينَ وجدتَ لكثيرٍ من طلبةِ العلمِ من الفهمِ والتحقيقِ، مع التفنُّنِ والتوسُّعِ في علوم الشريعة، وجودة الفهم وحسن الاطّلاع والمعرفة بمظانِّ المسائل ومواضعِ الأدلَّةِ، ما ليسَ للرسميِّينَ عُشرُ معشارِهِ.

وهذا الجانبُ لا بدَّ من بيانِهِ وإيضاحِهِ، وإن كانَ المُتكلِّمُ أقلَّ حظًّا في العلمِ من الحال التي وصفَ، وأبعدَ عن الكفايةِ من هؤلاءِ الرسميِّينَ، فمن الجنايةِ على الدينِ وأهلهِ أن يُقدَّمَ فاقد الأهليَّةِ للأمّة عالمًا ومُفتيًا ومُوجّهًا وقَائدًا، ويُطالبُ الناس بتعطيلِ الأحكامِ من أجلِهِ، ويُعطى من الحقوقِ ما ليسَ إلاَّ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بحجّة كونه عالمًا، ثمَّ يُسكتُ عن بيانِ حقيقةِ حالِهِ، ومقدارِ أهليَّتِهِ.

ولهذا المَعلمِ تمامٌ يردُ بإذنِ اللهِ في المعلمِ الثَّالثِ.

المعلم الثَّانِي: الجَهلُ بالوَاقِع:

مما امتازَ به الرسميُّونَ حتّى عرفهم به القاصي والداني، واعترف به المحبُّ لهم والشَّاني، الجهل بالواقع وعدم المعرفة بالأحداث والوقائعِ، والغيابُ التامُّ عن أمورِ الأُمَّة العظام، وقلّة الاكتراث بمآسي المسلمين وما ينزل بهم من البلايا، بل عدمُ الاكتراثِ بذلك أصْلًا.

فلا يدرون ما يحدث للأمّة، ولا يتتبّعون أخبار المسلمين وما يجري لهم ويَقَعُ عليهِم، ولا لهم معرفةٌ بالحركات الإصلاحيَّةِ والجهاديَّة التي تقوم في مشارق الأرضِ ومغاربِها، ويصرِّحون إذا تكلّموا عن الحكومات الطاغوتيَّة التي تحكم بلاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أنَّهم لا يعلمون من أخبارها شيئًا، ولا يستطيعون الحكم عليها لجهلهم التام بها، وهذا ما سمعتُهُ من بعضِهِم، وهو حال جميعِهِم، مع أهمّيَّة ذلك وحاجة الأُمَّةِ إلى معرفته، بل وإقدامهم على الكلام فيه بجهلٍ وتغليط من تكلَّم بعلمٍ والتحذير منه.

وأمَّا الأمم المتحدة، وقوانينُها وأحكامها ومللها ودولُها، والقرارات الصادرة عنها، والاجتماعات والأحداث المنبثقة منها، وبنود اتّفاقيَّاتِها، فهم صمٌّ عنها وعميٌ لا يدرون ما الأمر، مع أنَّ الحكومة العميلة من الدول المُؤسِّسة لها، ومع كون أنواع الكفر وألوانه من الحكومة العميلة في الجزيرة تابعةً لها منبثقةً عنها.

ولا تسألهم عن ثغور الإسلام وجبهاتِهِ، ومعاركه وغزواتِه، وجيوشه وحركاتِهِ؛ فهم عن هذا بمعزل، ومنزلهم غير ذاك المنزِل، وجهلهم بالواقع كجهلهم بالتأريخ، ونيّتهم للمستقبلِ كحالهم اليوم.

لذا يجدُ من يريد أن يحدّثهم عن شيءٍ من أمور المسلمين العامَّة، ويُراجعهم في الواجب تجاههم، أنّه ينعقُ بما لا يسمعُ إلاَّ دعاءً ونداءً، صمٌّ بكمٌ عميٌ في هذه المسائل فهم لا يعقلون.

المعلم الثالث: التهرب من تنزيل الأحكام على الواقع وبيانِ الحقّ:

{كان النَّاسُ أُمَّةً واحدةً فبعث الله النبيِّين مُبشِّرين ومُنذرين، وأنزلَ معهُم الكِتابَ بالحقِّ ليحكُمَ بينَ النَّاسِ فيما اختلفوا فيهِ} ، {فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدُّوه إلى الله والرسول إن كُنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر} ، {وكيف يُحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثمّ يتولّون من بعد ذلك} .

فالله أنزلَ الكتابَ ليُعملَ به في الواقعِ ويُنزّلَ عليهِ، ويُحكّم في أفعال الناس وأقوالهم، ويُستنار به فيما يحدثُ من أحداثٍ.

والبيانُ الَّذي أخذه الله على العلماءِ كما يشملُ الصدع بالحق والآياتِ والبيِّناتِ، يشملُ تنزيلها على الواقع وبيان حكم الله فيها، وإلاّ فالآياتُ محفوظةٌ في القراطيس والصدور، والأحاديث مزبورةٌ في الصحاح والمسانيد، فما يفعل العالم وما الحاجة إليه، إن لم يصدع بحكم الله في واقعه ويبيِّنْ ما أمر الله به وينزّله في مواضعِهِ؟

وما الفرق بين من يردِّد النصوص دون تنزيل لها وتحكيمٍ في الواقع، وأهل الكتاب الَّذين ذكر الله عنهم: {ومنهُم أُمِّيُّون لا يعلمون الكِتابَ إلاَّ أمانيَّ وإن هُم إلاَّ يظُنُّون} ، فهم لا يعلمون من الكتاب إلاّ تلاوتَه والأمنيَّة التلاوة، وهؤلاء يزيدون على الأحبار بأنَّهم يعلمون شيئًا من الكتاب وشيئًا من السنة، وشيئًا من مقالات العلماء، ومعرفتهم لها جميعِها ما هي إلاّ أمانيَّ.

ومن المعروف عن الرسميين في بلاد الحرمين، الَّذي اعتادوه حتى صار سنَّةً لهم، أنَّهم يقلّدون الأئمة في تأصيل المسائل وتقريرِها، ويُخالِفُونَهم في تنزيلِها على الأحداثِ والتعاملِ مَعَهَا، حتّى إنَّ منهم من سُئل عن فتواه في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله، وقيل له إنّ من الناس من يحتجُّ بفتواك على تكفير حكام الخليج، فغضب وقال هؤلاء أصحاب أهواء، أنا فتواي عامَّة وحكام الخليج ما أدري عن حالهم، وكأنَّ الفتوى العامَّة يجب أن تبقى عامَّة ولا تنزّل على أرض الواقع بحالٍ من الأحوالِ، وكأنَّ جهله بالواقعِ يوجبُ على الناس كلِّهم أن يقفوا لا عند علمِهِ، بل عندَ جهلهِ، فما اكتفى المسكينُ بتعطيله لحكم الله، حتَّى غضبَ حينَ سمعَ بمن أقدم على الواجب الذي عطّله، فيُريد من الناس كلِّهِم أن يكونوا مثلَه.

وإذا كان العالم وريثًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أمر الله النبي {وأنزَلنا إليكَ الذِّكرَ لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهِم لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ} ، مع قولِهِ تعالى: {ما على الرَّسُول إلاَّ البلاغ} ، فدلَّ على أنَّ البلاغ شاملٌ لتوضيح النصوص ودلالاتِها.

وأيضًا فالبلاغ ليس بلاغًا للحروف فقط، بل المطلوب به البيانُ ومعرفةُ المعاني، ولذا قال تعالى: {وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ بلسانِ قومِهِ ليُبيِّن لهم} ، فجعل الله بعض كتبِهِ ورسالاتِهِ بغير العربيَّةِ وهي خيرُ اللُّغاتِ وأمثلُها لحكمةِ البلاغِ والبيانِ للناسِ، ولا فرق بين أعجميٍّ لا يفقهُ من القرآن شيئًا أصلًا، وعربيٍّ لا يعرف كلامًا مُعيَّنًا في اللغة، مع الأمر بالبيانِ في كليهِما، ومسيس الحاجةِ إليهِما.

وإذا كان ترك البلاغِ بالكلِّيَّةِ من خيانِةِ الأمَّة وإضاعةِ الأمانةِ، فإنَّ ترك ما لا يقصد البلاغُ إلاَّ لأجلِهِ كذلكَ، وإن كان حظّ العلماء بلاغ الآيات بنصوصِها، وحظّ العامَّةِ تنزيلها على الواقع، فالعامَّة أحقُّ باسمِ الفقهِ وأَولى، ولو كان ذلك لما كان للعلماء على القراطيس فضلٌ ولا مزيَّة، ولكانوا {كمثلِ الحمارِ يحملُ أسفارًا} .

والرسميُّون في بلاد الحرمين؛ يدرّسون كتاب التوحيدِ، ويتحدّثون عن الولاء والبراء، ويفصّلون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله، وينقلون الإجماعات في المستهزئين بالدين، ويتلون بألسنتِهِم آياتِ الجهادِ، ثمَّ لا تجد منهم من يفتح فاهُ مبيّنًا حكمًا شرعيًّا في واقعةٍ واحدةٍ، إلاَّ ما وافقَ هوى الطَّاغوتِ.

من أجلِ ذلك لا تجدُ فرقًا بين أكثرِ كتاباتِ أبي محمدٍ المقدسيِّ ثبّته الله وفكَّ أسرَه، وكتابات كثيرٍ منهم في مسائل الاعتقادِ من حيثُ التأصيلُ، إلاَّ أنَّهُ امتاز بصدقِهِ فيما يقول، وتنزيلِهِ الأحكامَ في مواضِعِها التي يعلمُونَها ويُعرضون عنها ويكتمونها كتمان اليهودِ آيةَ الرَّجم.

ومن أقبحِ ما في هذا المعلم، أنَّهم إذا أحجموا عن أمرٍ من بيان الحقِّ والصدعِ به بحجَّةٍ يُمليها عليهم إبليسُ من التريُّث والتأنِّي، أو التورُّع والاحتياطِ؛ لم يحجموا أو يتورّعوا أو يحتاطوا في مُهاجَمة من بيَّن الحقَّ وصَدَعَ بِهِ وتحمَّل ما تحمَّل لأجلِهِ، بل يصبّون عليه أحقادهم ويناصبونه العداء دون تفصيلٍ ولا تأنٍّ ولا احتياط، ومثل هذا يُعلم منهُ حقيقةُ احتياطِهِم وورعِهِم البارد، فيتورّعون عمَّا فيه بطشُ الطَّاغوت وبأسُهُ، ولا يتورَّعون عن أولياءِ اللهِ ولا يتأنّون ولا يتثبَّتون حين لم يكن وليَّهم إلاَّ اللهُ وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا.

هذا مع علمِهِم أنَّ من أقدمَ على هذا الأمر وصدعَ بما جبنوا عنه من الحقِّ، لم يخرج عن أن يكون قولًا اجتهاديًّا لو كانوا صادقين في احتياطهم وتوقّفهم، والأصلُ أنَّ الاحتياطَ لا يجبُ ولا يحرمُ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فضلًا عن أنَّ المحتاط في أمرٍ لالتباسه لا يحقّ له أن يحكم على الناس بالتباسِهِ عليهِم، بل لا يمكن أن يكون الحقُّ ملتبسًا على كل أحدٍ، وإن كان قد يخفى على بعض الأفرادِ بعضُ مسائلِهِ.

وأعرف عددًا من المنتسبين إلى العلم، المتصدّرين للتدريس والإفتاءِ، إذا حُوجِج في مجالسه في كفر دولة آل سعود أقرَّ بارتكابِهِم المكفّرات، وادّعى الاشتباه والتردد عنده وعدم تحرير بعض المسائل وامتنع بذلك عن تنزيل حكم الله الَّذي قضى به كتابُهُ عليهِم، فإذا برز للناس في العلن سبَّ وشتَمَ من علم أنَّ الحقّ معه والدليل عندَهُ والبرهان يؤيِّده، ولكنَّهُ حين تهرّب من تنزيل الحكم على الواقع لعلّةٍ لم تكن الاحتياط للدين ولا الاشتباه في المسألة، بل هي رعاية جناب الطاغوت واسترضاؤه، علم أنَّ تلك العلَّة توجب عليه أمرًا آخر، ولا تتركه حتَّى يبرأ من الموحّدين، ويتزلَّفَ إلى الطواغيتِ، ويجحد الحقّ وينصر الباطل. {ألم تر إلى الَّذين أُوتوا نصيبًا من الكتابِ يُؤمِنون بالجبتِ والطَّاغُوتِ ويقولونَ للَّذين كفروا هؤلاءِ أهدى من الَّذين آمنوا سبيلًا * أولئك الَّذين لعنهم الله ومن يلعنِ الله فلن تجدَ له نصيرًا} .ا. هـ [من كتاب هشيم التراجعات] .

(2) سيأتي معنا في المسألة السابعة والعشرون بيان طرق استدلال القوم، بل وتعمدهم التواطؤ على الكذب على العلماء كالعز بن عبد السلام وغيره مما سيأتي معنا. [التهذيب]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت