الفصل التاسع
"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"
المسألة الحادية و العشرون: المرد في تحديد الجزيرة إلى الدليل لا إلى نزاع العلماء:
يستدل المخالفون بخلاف العلماء في تحديد الجزيرة، والمردُّ في النِّزاع إلى الدليل لا إلى النِّزاع نفسه، فإن أرادوا بذكرهم الخلافَ الردّ على من قال إنَّ الجزيرة تشمل الحجاز وغيره، فالمسألة مستوفاةٌ في موضعٍ آخر، وممن كتب فيها حمود العقلا وبكر أبو زيد، وأوجز ما تُقرَّر به بيان أنَّ اسم الجزيرة مطابقٌ لهذه الأرض التي يدخل فيها الحجاز ونجد واليمن وهجر والبحرين، والتي يحيط بها الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب، وبعضهم ذكر دجلة من شماليِّها، كما أنَّ هذه البلاد هي مساكن العرب في الجاهليَّة حتّى لم يسكنوا غيرها ولم يسكنها غيرهم، إلاَّ من نزح منهم إلى العراق والشَّام، فهذه البلاد هي الجزيرة وهي بلاد العرب، فصحَّ أنَّها جزيرة العرب، وأكثر أهل اللغة على هذا، وأمَّا من خصَّها بالحجاز فجمعًا بين أدلَّة إخراج المشركين، وبقاء بعضهم، ويُجاب عنه بأنَّ بعض من بقي كان في الحجاز أيضًا، وبقاؤهم لأنَّ وجوب إخراجهم عارضته فروضٌ أخرى زاحمته، فلمَّا أمكن لم يؤجّلوا، والمسألةُ بعد محلُّ اجتهادٍ.
المسألة الثانية والعشرون: حديث إخراج المشركين. . بين دلالة المنطوق والمفهوم:
يدّعي المخالفون للمجاهدين في هذا الحديث دعويَين: أنَّه لا يدلُّ على جواز قتل المشركين، وأنَّّه لا يدلُّ على انتقاض عهودهم.
ونقول لهم: بل كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فالمشركون الأصل هدر دمائهم وقتلهم وقتالهم، ولا تُعصم دماؤهم بغير العهد، فإن دلَّ الحديثُ على انتقاض العهد دلَّ على جواز القتل فهي مسألة واحدةٌ.
ودلالته على انتقاض العهد من أظهر الدلالات، فإنَّ الأمر بإخراجهم يقتضي الوجوبَ، ومعاهدتهم إن خالفت هذا الواجبَ كانت لاغيةً باطلةً فاسدة الاعتبار.
على أنَّ الحديث دالٌّ بمنطوقه بظهورٍ على الأمر بقتلهم، لأنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بإخراجهم، وإخراجهم إن كان بالإنذار حسنٌ، وإن لم يكن إلاَّ بالقتال فهو مما لا يكون الواجب إلاَّ به مع دخوله في إطلاق الأمر، ومن ادّعى أنَّ المنطوق لا يتناول هذا، فكيف جعل لنفسه أن يفسّر الإخراج بالإنذار ويجعله من دلالة الحديث نفسه؟ والحديث أمر بالإخراج ولم يتعرّض لوسيلة ذلك.
ومقتضى هذه الدعوى، أنَّ اليهود الذين أخرجهم عمر لو امتنعوا عن الخروج، ما جاز له قتالُهُم لغرض إخراجهم، وإن قاتلهم لم يكُن ذلك داخلًا في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراجهم لا بمنطوقه ولا بمفهومه!
وأمَّا القول بأن:"غاية ما في دخول المشركين جزيرة العرب أنه محرم وكبيرة, والصواب أنه لو عقد السلطان لهم نفذ العقد في حق المسلمين, ووجب عليهم الوفاء, وإن كان العقد فيه مخالفة شرعية."
وأما القول بأنه فاسد ولغو لا حرمة له, ويسوغ هتكه لآحاد المسلمين, أو من اختص منهم برأي واجتهاد؛ فهذا قول منكر, لم يقله أحد من المعتبرين في العلماء."."
فنقول لمن قال بهذا القول"قد قال بكر أبو زيدٍ عضو اللجنة الدائمة وعضو هيئة كبار العلماء:"فهذه الأحاديث في الصحاح نص ٌ على أن الأصل شرعا منع ُ أي ِّ كافر ٍ - مهما كان دينه أو صفته - من الاستيطان والقرار في جزيرة العرب , وأن هذا الحكم من آخر ماعَهَده ُ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أمته.
وبناء ً على ذلك:
1.فليس لكافر دخول جزيرة العرب للاستيطان بها.
وليس للإمام عقد الذمة لكافر، بشرط الإقامة لكافر بها، فإن عقده , فهو باطل.