والرد: أن هذا وإن كان صحيحًا في المآل إذ الأحكام الشَّرعيَّة أمارات على المصالح الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنَّه لا يصحُّ في هذا الموضع، إذ المراد فيه الاستدلال بالمصلحة والمفسدة التي يُقدّرها النَّاظر لا التي يرشد إليها النّصُّ فتلك لا تسمّى مصلحةً على هذا الاصطلاح.
كما أنّهم توهّموا أنَّ كلًا من المختلفين مطالبٌ بالدّليل على السَّواء، وكأنَّ المسائل ليس فيها أصلٌ يرجع عليه، ويتّفق عليه، ويُطالب النَّاقل عنه بإقامة دليلهِ، فلا فرق عندهم بين المتمسِّك بالأصل، والمدَّعي النَّقلَ عنهُ.
فللوهَمَين المذكورَينِ: زعموا أنَّ مخالفهم يفعل العمليَّات مستدلاًّ بمصلحةٍ، كما هم يمنعونها مستندين إلى مفسدةٍ، ورأوا أنَّهم وإيَّاهُ على السَّواء في الاستدلال.
والحالُ أنَّهم هم من اعترض على الحكم، المستدَلِّ له بالأدلَّة المُكتفى بها عن البحث عن مصلحةٍ مستنبطةٍ، اعترضوا عليه بذكر مفسدةٍ، فالمخالف لم يبن دليله على مصلحةٍِ مجرّدةٍ قام بالعمليَّةِ لأجلها.
وأمَّا الاعتبار الثالث: فحقٌّ على الإجمال، وهم من خالفه، فاستدلُّوا بمفاسد ألغى الشرع اعتبارها على التّحريم، وقصروا نظرهم على ناسٍ من المسلمين، ومجالاتٍ من المجالات، كما خاض الخائض منهم في تقدير المصالح والمفاسد في الجهاد عن غير بصرٍ ومعرفةٍ به أو خبرةٍ وممارسةٍ، وخالفوا كلَّ ما رأيتَ أعلاه من ضوابط المفسدة المعتبرة التي لا أحسبهم يُنازعون في كونها ضوابط معتبرةً شرعًا.
وأمَّا قولهم: ولا يكاد يُنازع أحدٌ من أهل العلم في مفسدةِ ما حدثَ.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الأوَّل: أنَّ الأمر بالجهاد موجِبٌ صحيحٌ، وسببٌ مستقلٌّ للقيام بالتَّفجيرات، ولم يذكر المنازعون مفسدةً معتبرةً البتّة تُقاوِم هذا الأمر وتدفعه، وكلُّ ما أوردوا سبق الجواب عنه وبيان فساد اعتباره شرعًا، وقد قال الله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلَّ مرصدٍ} ، {قاتلوا المشركين كافَّة كما يقاتلونكم كافَّة} .
الوجه الثاني: أنَّ هذه العمليَّة ليست بيضة ديك، بل هي حلقةٌ في سلسلة، وغارةٌ في معركةٍ مستمرَّة، وهذه المعركةُ فُرضت على المسلمينَ، ومصلحتها متيقّنةٌ، لتيقُّن أنَّها فرضٌ شرعيٌّ على المسلمين، والمصَالح كلها في امتثال أحكام الشرع، والحديث عن مصلحة الغارة المعيَّنة يجب أن لا يفصل عن مصلحة الحرب في مجملها؛ فربَّ مصلحةٍ في رحم الغارة الأولى، لا تُظهرها إلاَّ الغارة الثانية.
ثمَّ من فروع الحديث عن الحرب، الحديثُ عن ميادينها وما يحسن نقل المعركة إليه وما لا يحسُن.
الوجه الثالث: أنَّ في التفجيرات من المصالح العظيمةِ كثيرًا مما لم يشاؤوا الحديث عنه:
1.خروج عددٍ كبيرٍ من الصليبيين، من الجزيرة العربية، كما ذكرت جميع وسائل الإعلام وقتها، بل ذكروا أنَّه لم يبق إلاَّ من لا بدَّ له من البقاء، وتطهير جزيرة العرب من هؤلاء الأنجاس، والعمل بوصيَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وإنفاذها من أعظم المقاصد، وتخليصها من المعتدين عليها من حيثُ هي بلد إسلامٍ وهم حربيُّون مصلحةٌ عظيمةٌ.
2.الرعب والإرهاب الذي وقع في قلوب الكفرةِ، وهذا من مقاصد الجهاد المستقلَّة: {وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوَّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} .
3.ظهور حجم الوجود الصليبي في جزيرة العرب، حيثُ دلَّت الحراسات المكثّفة على مواطن سكنى الأمريكان، فإذا هم في كلِّ مكانٍ كما حدّثنا الثِّقات من أهل الرياض وذكرت بعض وكالات أنباء الصليبيين أن عددهم أربعون ألفًا في الرِّياض وحدها.
4.توسيع دائرة الحرب مع الصليبيِّين وإشغالهم عن كلِّ بلدٍ لهم فيه مصلحةٌ ببلدٍ آخر يتوقّعون فيه هجمةً.
5.تمحيص الله الذين آمنوا واتّخاذه منهم شهداء، والشهادة من مقاصد الجهاد، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من خير معاش الناس لهم، وذكر: مؤمن على فرسه، كلما سمع هيعةً طار إليها يطلب الموت مظانَّه".
6.شفاء صدور قومٍ مؤمنين، وإذهاب غيظ قلوبهم {قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم، ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين} .