فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 57

ومما يكشف أهمية الضربات في بلاد الحرمين ما يحصل بعدها من زيارات مكثفة ولقاءات سرية وعلنية من قبل كبار المسؤولين الأمريكان الذي يفدون إلى البلاد بعد أي ضربة عسكرية لهم، مع أنه تحصل لهم من الضربات المتتالية في العراق وأفغانستان، ولا يضطرون بعدها إلى زيارة البلد أو فعل شيء يذكر سوى التعتيم الإعلامي على حسب استطاعتهم.

والمورد لهذا التساؤل لم يدرك إلى الآن التكتيك الذي يستخدمه تنظيم القاعدة في حربه الكبرى مع أمريكا، والَّذي يقضي بتشتيت العدو وضربه في كل مكان وبلدٍ، وهذا من إرهاب العدو وإنهاكه بالاحتياطات المشددة، وانهيار معنويات أفراده من مدنيين وعسكريين، للتحذيرات المتكررة التي لا ينفك يسمعها من حكومته، ثم الضربات المتتابعة للأمريكيين التي يراها على شاشات التلفزة.

والحجة التي يستند إليها من يطالب بهذا المطلب من كون العدو هناك ظاهرًا يسهل الوصول إليه لا محل لها، فالعدو الخفي الذي يمكر بالمسلمين أولى من الظاهر بالقتال، والعدو الَّذي يصعب الوصول إليه أولى من العدو الذي يظهر للناس ويتمكن كل أحد من الوصول إليه والنكاية فيه، وإذا كان العدو الظاهر الذي يمكن الوصول إليه بسهولة قد انتدبت له جماعة من المجاهدين تقاتله وتذيقه الويلات، فالمطلوب من الأمة أن توجه كوادرها وأفرادها إلى النيل من العدو الخفي المستتر، الذي يسعى لهدم عقيدة الإسلام في نفوس الأمة وطمس معالمه.

وأمَّا إن كان المراد بهذا التساؤل أنَّ العدو الأمريكي في بلاد الحرمين وفي بلاد المسلمين لا يمكن الوصول إليه إلا بقتل حراسه ومخالطيه من المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام، فهذا واقع في العراق، وفي أفغانستان، وفي كثير من البلاد، بل لا يكاد يخلو شيء من العمليات التي تقع في جبهات الجهاد من ضحايا إما من حراس المشركين وأعوانهم وأنصارهم، وإما ممن صادف مروره بالمكان من المسلمين الأبرياء، وهذا يقع كثيرًا مع شدة التحرز منه كما يعلمُ المجاهدون في أفغانستان والشيشان وغيرِها، والعدو في بلاد المسلمين كالورم السرطاني الخبيث الذي لا يمكن اقتلاعه دون أن يُقتلع معه بعض الأنسجة المحيطة به.

وهذا الأمر لم يسلم منه شيء من ميادين الجهاد وجبهاته في قديمٍ ولا حديثٍ، وخصوصًا مع تقدم وسائل القتال، وتعديها السيوف والرماح والمجانيق، إلى أمورٍ أكثر تطورًا هي القوة المأمور بإعدادها في هذا العصر، كالقنابل والمتفجرات وغيرها، وبسبب توغل الأعداء والمحتلين في شتى بقاع المسلمين، واختلاطهم بالناس وتترسهم بهم.

وينبغي أن يُعلم أنَّ جهادنا وجهاد إخواننا في العراق، وجهاد إخواننا في فلسطين، وجهاد إخواننا في أفغانستان، كله جهاد لعدوٍ واحدٍ منتشر في هذه البلاد، وإذا كان يتلف الأبدان في بلدٍ من البلاد، فإنَّه يتلف الأديان في غيرها من البلاد، وجهادنا جميعًا لأمريكا مع جهاد إخواننا في الشيشان لروسيا، وفي كشمير للهندوس، كله جهاد في سبيل الله لهدفٍ واحدٍ، هو رفع الضيم عن المستضعفين من المؤمنين، ولتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله عزَّ وجلَّ.

والعدو وإن تنوع من شرقي وغربي، يرهبه كل عمل جهادي، وحركةٍ قتالية تقاتل أعداء الله من المشركين، أينما كانت وأيًّا كان حجمها، لعلم الكفار جميعًا الذين بعضهم أولياء بعضٍ أنَّ المسلمين متى قاموا وقويت شوكتهم لم يمكنهم أن يطغوا ويبغوا في البلاد فيكثروا فيها الفساد كما يفعلون اليوم، وكل من يحمل سلاحه ويقاتل في سبيل الله في جبهة من الجبهات يقاتل جميع هؤلاء الأعداء لأنَّه يُقاتل تحالفهم الدولي الضخم لمحاربة الإرهاب ومطاردة الإرهابيين.

••التساؤل الرابع: لو توقفت العمليات في بلاد الحرمين واستقر الوضع ألا يكون ذلك أحسن لتنسيق الدعم وترتيب العمل الجهادي في العراق؟

والجواب على هذا أن يُقال أن الحقيقة التي دلَّ عليها التاريخ الجهادي الحديث، أنَّ تنسيق العمل الجهادي وإدارته لا يحتاج إلى أوضاع مستقرة، أو بالأصح: استطاع المجاهدون التكيف مع الأحوال المضطربة في كل البلاد، ونجحوا في ترتيب العمل الجهادي دون الحاجة إلى استقرارٍ.

وأما الجهاد في العراق فهو قائم بحمد الله بشكل جيدٍ يشهد لأثره ونكايته العدو قبل الصديق وأما الضعف النسبي المشاهد في إدارة العمل الجهادي في العراق وتنسيقه، ليس له علاقة بالاضطراب في بلاد الحرمين البتة، وإنَّما هي خطة محكمة عملت عليها الحكومة السلولية في بلاد الحرمين قبل حرب العراق، تمثلت في اعتقال الكوادر التي تملك الخبرات الجهادية اللازمة لإقامة العمل وترتيب أوراقه، وأُودع السجون كثير من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت