فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 57

الفصل الثالث

شبهات وردود حول العهد والأمان

الشبهة الأولى، والثانية: الاستدلال بآية الاستنصار وبرد النبي من جاءه مهاجرا من قريش بعد الحديبية:

مرَّ معنا في الفصل السابق مناقشة هاتين الشبهتين.

الشبهة الثالثة: ليس لغير الإمام أن ينقض العهد:

قد يقولُ قائلٌ: إنَّ وقوع ما ينقض العهد من الأمريكان ظاهرٌ لا نزاع فيه، ولكن ليس لغير الإمام نقض العهد فما جوابكم؟.

جوابنا على هذه الشبهة كما يلي:

أولًا: أنَّ الحاكم المعنيَّ مرتدٌّ عن دينه، مارقٌ من الملَّة، قد نكث عهد الله الذي عهده إليه، فكيف تُعلّق به عهود هؤلاء فلا تنتقض إلا بنقضه؟

ثانيًا: أنَّهم يعلمون يقينًا أنَّ الحاكم الذي إليه الإشارة خائنٌ لدينه، متولٍّ لهؤلاء الكافرين، يستحيل أن ينقض عهودهم حتّى يُنازَع في شيءٍ من أمر ملكه، أمَّا الدِّين فأهون ما يبذلُه [[1] ]، ومثلُهُ - وإن تُنُزِّل بعدم كفره- لو كان في يده شيءٌ من أموال المسلمين ما اؤتمن عليها، فكيف بمعاهدة قومٍ يحاربون الله ورسوله في كل أرض؟

ثالثًا: أنَّ عهود الكفَّار إذا فعلوا ما ينقضها تنتقض بنفسها ولا تفتقر إلى نقض إمام، على الصَّحيح من قولي أهل العلم، وهو الذي تدلُّ عليه النّصوص الصَّريحة.

قال ابن القيِّم:"وعقد الذمة ليس هو حقًّا للإمام بل هو حقٌّ لله ولعامَّة المسلِمينَ فإذا خالَفُوا شيئًا مما شرط عليهم، فقد قيلَ: يجبُ على الإمامِ أن يفسَخَ العَقْد وفسخُهُ أن يُلحِقَه بمأمنه ويخرجَه من دَار الإسْلامِ ظنًّا أن العقد لا ينفسِخ بمجرَّد المُخالفة بل يجبُ فسخه، قَالَ وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الشُّروطَ إذا كانت حقًّا لله لا للعاقد انفسخَ العقدُ بفواته من غيرِ فسخٍ. وهذه الشُّروطُ على أهل الذِّمَّة حقٌّ لله لا يجوز للسُّلطانِ ولا لغيرِهِ أن يأخُذ منهم الجِزيةَ ويمكِّنهُم من المُقام بِدار الإسلام إلاَّ إذا التَزَمُوها وإلاَّ وَجَب عليه قتالُهم بنصِّ القرآن" [[2] ].

وأدلَّة القرآن صريحةٌ في هذا، قال تعالى: {كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله وعند رسوله إلاَّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} فأنكر الله عهود المشركين، إلاَّ ما استثنى، وقال: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} فاستثنى الله من البراءة من العهود من لم ينقصوا المسلمين شيئًا ولم يُظاهروا عليهم أحدًا، فعلم أنَّ من نقص شيئًا أو ظاهرَ أحدًا منتقضٌ عهده، وقال: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمَّة الكفر إنَّهم لا أيمانَ لهم لعلَّهم ينتهون} فحكم الله في أمثال هؤلاء بأن لا أيمان لهم، وأمر بقتالهم، والحكم باستمرار عهدهم ينافي الأمر بقتالهم.

الشبهة الرابعة: قول القائل:"أن الكفر ليس موجبًا للقتل بكل حال".

إنه لمن التلبيس أو سوء البيان أن يقال: إن من المتقرر لدى علماء الإسلام أن الكفر ليس موجبًا للقتل بكل حال. وكلٌّ يعلم أنَّ المجاهدين - يقينًا لا ظنًّا- لا يزعمون أنَّ كلَّ كافرٍ يُقتل في كل حال، ولكنَّ الكفر موجبٌ للقتل في الأصلِ، ويُستثنى من ذلك مواضعُ، وإطلاق عبارة: الكفر لا يوجب القتل في كل حالٍ، تعميةٌ عن العبارة الصحيحة وهي: الكفر يوجب القتل إلا في أحوالٍ، فيكفي المستدلَّ للقتال إثبات وجود الكفر ليكون موجبًا للقتل والقتال، ما لم يكن أحد الأحوال المستثناة.

الشبهة الخامسة: قول القائل:"لا يلزم من جواز القتل ابتداءً جوازه بالفعل في زمن أو مكان معين".

ويُقال فيه ما قيل في العبارة السابقة في قتل الكافر، فإنَّ الأصل أنَّ معنى جواز القتل والقتال جواز ابتدائه في كل بلدٍ ومكانٍ حتى يؤتى بالاستثناء، والنقول التي ينقلونها عادة منزَّلة غير منازلها، محمولةٌ على غير محاملها؛ فإنَّ الكلام في جهاد الدفع، غير الكلام في جهاد الطلبِ

(1) ولا أدل على ذلك من استطاعة هذا الملك الأعرابي الضغط عل دولة الحريات"بريطانيا"لإيقاف التحقيق في صفقة اليمامة الذي وصل إلى مراحل متقدمة، ومع ذلك لم يحرك ساكنا أمام الرسوم المسيئة التي صدرت من الدنمارك وهي دولة لا تقارن ببريطانيا، ولم يحرك ساكنا، سوى الكلام عن حوار الحضارات والتسامح، لأن الأولى خطر على الكرسي، أما ما الرسوم المسيئة فلا تعنيه.

(2) أحكام أهل الذّمَّة (3/ 1355)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت