، والكلام في ابتداء الجهاد من المسلمين، غير الكلام في حربٍ فُرضت على المسلمين وأجبروا على دخولها، والكلام على إنشاء حرب لعدوٍّ، غير الكلام على فتح جبهةٍ من جبهات الجهاد معه.
فينقلون عن الخطيب الشربيني في مغني المحتاج (4/ 226) :"إذا زادت الكفار على الضعف ورُجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا استحب لنا الثبات وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية وجب علينا الفرار لقوله تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"أو بنكاية فيهم استحب الفرار".
وهذا ظاهرٌ في أنَّهُ لمن غزا الكُفَّار في دارهم يُجاهدهم جهادَ طلبٍ، أمَّا الجهاد الذي يُدفع به عن المسلمين فأحكامه تختلف، فهل يجيز أحدٌ لحاميةِ بلدٍ من المجاهدين أن تنسحب متى وجدت العدوَّ أكثر من ضعفها؟ فيُسلمون إليهم البلاد ومن فيها، دون أن يتحرّفوا لقتال أو يتحيّزوا إلى فئة؟
ألا ترى أنَّه يقول:"ورُجي الظفر"، والظَّفر مطلوب من قاتل طالبًا، وأراد أن يخرج غالبًا، لا من قاتل يُدافع عن الدين والأرض والعرض؛ فإنَّ مطلوبَ هذا السَّلامةُ، وهمَّتَهُ فيها ونظرَه في تحصيلها.
أولا ترى أنَّه يتحدّث عن النكاية لا الحماية، فيوجب الفرار إن لم تكن نكايةٌ، ووجههُ تلف الأنفس والهلكة مع انعدام المقصود من الجهاد، ويستحبُّه إن وجدت نكايةٌ مع ظنِّ الهلاك، لإذن الله بالفرار في هذه الحال، وهي حال زيادة الكفَّار على ضعف المسلمين؟
وتارة بقول الشوكاني في السيل الجرار (4/ 529) :"إذا علموا -أي المسلمون- بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم مستظهرون عليهم فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام وقد استدل على ذلك بقوله عز وجل:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"وهي تقتضي ذلك بعموم لفظها ... ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب فقد ألقى بيده إلى التهلكة".
والكلام فيه كالكلام فيما قال الخطيب الشربيني أعلاه؛ فإنَّ التنكّب عن قتال المشركين، يكون ممن هو مخيّر بين القتال وتركه، أمَّا من غزاه المشركون في بلده، أو في بلدٍ من بلاد المسلمين لم يمكن دفعهم عنهم على أهلها فتوسَّع الفرض على كل مسلمٍ فصار متعيِّنًا عليه، فلا يشمله هذا الكلام ولا ينالهُ، على أنَّ كلام الشوكاني على المخالف لا له لو نزّلوه في هذه الحال، فهو يقول:"فعليهم أن يتنكّبوا عن قتالهم، ويستكثروا من المجاهدين ويستصرخوا أهل الإسلام"وهم يريدون من كلامه التنكُّب عن القتال وحده، دون استصراخٍ للمسلمين، واستكثار من المجاهدين، ولو سلّم لهم أنَّ كلام الشوكاني نازلٌ في حالنا كان غاية ما فيه، وجوبُ النَّفير على النَّاس كلِّهم اليوم، وأنَّ من يؤمر بكفِّ يده لا يؤمر بذلك مجرّدًا بل الآمر بهُ يدعو ويحرِّض على القتال، أمَّا أن يأخذوه من كلام الشوكاني ترك القتال، ويعزلوه عن تمامه من التحريض وإعادة الكرة على الكفرة فلا.