ومن القاعدة السابعة تعلم أنَّ من لا يعرف جنس المصالح الواقعة في الجهاد، ولا بصر له به من تجربةٍ أو دراسةٍ ومعرفةٍ تقوم مقام التجربة لا يمكنه النظر في عين المفسدة هل هي من المعتاد في الجهاد الذي لا يكون جهادٌ بدونه أم هي طارئة وخارجةٌ عن الطَّاقة، ونحو ذلك.
كما أنَّ من ليس له علمٌ شرعيٌّ ونظرٌ صحيح، لا يمكنه وإن عرف المفسدة، أن يُوازن بين المفاسد الدنيويَّة التي تقع والأضرار الدينيَّة، ونحو ذلك، وكلٌّ من الجانبين له من الأهمِّيَّة ما يُحرّم على جاهله الحديث في المسألة.
••أنَّ اجتهاد الأمير في تقدير المصالح والمفاسد ما لم يكن مفسدةً محضةً، مقدَّمٌ على غيره.
والقاعدة الثَّامنة، تكون في كلِّ جيشٍ، كتنظيم القاعدة: يُقدم على عملٍ جهاديٍّ، فإنَّ آحاد الجيش قد يختلف تقديرهم للمصالح والمفاسدِ، ولا يمكن أن يُخالف الواحد منهم أميرهُ وقد فعل الأمير ما أمر به، فنظر نظرًا صحيحًا في المسألةِ، واختار ما أمرهم به.
والمجاهدون الذين يقومون بهذا الأعمال المباركة، يأتمرون بأمر أميرهم، سواء كان أسامة، أو من أمَّره عليهم أسامة في الجزيرةِ، ويصدرون عنه، وليس لهم أن يتركوا الجهاد لتقديرٍ يُقدّره أحدُهم.
إذا علمت هذا، فإنَّ قولهم [[1] ]: فالمسألة ليست مجرد موازنةٍ بين المصالح والمفاسد حتى يقول لنا أحد: إنه يسعكم أن تسكتوا ولا تثرِّبوا، وتعذروا ولا تُدينوا!، باطلٌ من وجهين:
1.أنَّ كلَّ ما عدا النظر في المصالح والمفاسد قد أجيب عنه من استدلالهم، فلم يبق لهم إلاَّ مجرَّد النظر في المصالح والمفاسد، فيُقال لهم يسعكم أن تسكتوا، حتّى يُنظر في المصالح ويُتحدّث عنها، ليُقال لهم -بعد تحرير الكلام في المصالح - لا يسعكم أن تسكتوا بل لا يسعكم إلاَّ أن تؤيِّدوا التّفجيرات، وتحرّضُوا عليها.
2.أنَّ ترك التثريب لا ينحصر على المسائل التي يتوقف فيها القول على النظر في المصالح والمفاسد، بل حتّى الّتي يُختلف فيها في بعض الأدلَّة ويُتنازعُ في تصحيحها، أو تأويلها، ما دام الخلاف قويًّا له مأخذ صحيحٌ [[2] ]، وهذه المسألة مع مخالفيهم فيها الدليل القويُّ الصَّحيحُ الظَّاهر الذي ليس معهم معارضٌ له أصلًا فأقلُّ أحواله على أكثر التنزُّل أن يُقال: إنَّ مخالفيكم مجتهدون أخذوا بمستمسك قويٍّ فلا يجوز التثريب عليهم.
وأمَّا إنكارهم أنَّ التّقدير للمصالح أمر نسبيٌّ، فإن أرادوا ما هو متمحّض المفسدةِ لا مصلحة فيه، فنعم، وأمَّا ما مصلحته ظاهره والمفسدة المدّعاة فيه لاغيةٌ غير معتبرةٍ، كتفجيرات الرِّياض فيما سترى بإذن الله، فهو أمرٌ نسبيٌّ على التنزُّلِ معهم، وإن ألغينا كونه نسبيًّا فلأنَّ المصلحة فيه أظهرُ والمفسدةَ المعتبرةَ أقلُّ من أن يُحكم بحرمة العمل بناءً عليها.
المسألة الحادية والثلاثون: الرد بعض الاعتبارات المصلحية حول التفجيرات.
وأمَّا الاعتبارات التي ذكروها:
فالأوّل: يقولون"أن أهل العلم قد نصوا على حالات يحرم فيها القتال، وذلك إذا أدى إلى ضرر بليغ بالمسلمين".
والرد: ليس هذا من محلِّ النِّزاع في شيءٍ، إذ المخالف لا يقول إنَّ العلماء لا يجوز لهم أن يحرّموا شيئًا من صور القتال لمفسدته، وإنَّما يقول، إنَّهم إذا حرّموه للمفسدة، لم يكن لهم أن يثرّبوا على من خالفهم في تقدير المصلحة والمفسدة، حيثُ لا نصَّ، ولا مفسدة محضة تتبيَّن بظهورٍ قاطعٍ لكلِّ ناظرٍ، بلا معارضٍ لها من المصالح.
وأمَّا الثَّاني: وهو قولهم"أن هؤلاء النافين للربط بين النظر المصلحي والتحريم هم يربطون بالفعل بين النظر المصلحي والوجوب، فيوجبون مثل هذه التصرفات بناء على ما ارتأوه من المصلحة، فكيف تكون المصلحة موجبة للفعل، ولا تكون المفسدة محرمة لفعل آخر".
فلم يقتحم عينيَّ جهلٌ أقبح منه! فإنَّهم يتوهّمون أنَّ كلَّ مستدلٍّ لفعل يستدلُّ بمصلحةٍ، وكلّ مستدلٍّ لمنعٍ يستدلُّ لمفسدةٍ.
(1) أي الإسلايوميين. [التهذيب]
(2) قال الإمام السبكي: [إن المرء إذا لم يعرف علم الخلاف والمأخذ لا يكون فقيهًا حتى يلج الجمل في سم الخياط] . طبقات الشافعية الكبرى 1/ 319 [التهذيب]