فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 57

بيد أن من يثير التساؤل وإن كان تساؤله منصبًّا على الوجه الثاني إلاَّ أنَّ الواقع أن الوجه الثاني لم يتبنَّه مجاهدو تنظيم القاعدة ضمن سياستهم العسكرية في بلاد الحرمين، ولم يقوموا بعمليات تستهدف قوات الطوارئ أو حتى مباني المباحث، مع أنَّ الناظر لها يدرك أنَّها أقل تحصينًا واحتياطاتٍ أمنية من مستوطنات الأسياد.

كل الذي وقع من مجاهدي تنظيم القاعدة: مقاتلة القوات التي تداهمهم وتطاردهم دفاعًا عن أنفسهم وعن جهادهم، ومقاتلة القوات التي تحرس المجمعات الصليبية وتحمل الأسلحة التي ما حملتها إلاَّ لكي تقاتلهم، ولا فرق بين من يشرع في إطلاق النار، ومن يكتفي بحمل السلاح والترصد للمجاهدين وانتظار قدومهم وأصبعه على الزناد، فكلاهما أعلن الحرب للمجاهدين، وكلاهما يتعهد لرؤسائه بأغلظ العهود أنَّه يُقاتل المجاهدين متى ما رأتهم عيناه، وكلاهما لا بد من قتاله لإبعاده عن طريق الحركة الجهادية.

والغريب أنَّ من يُثيرون هذا التساؤل ويستنكرون مقاتلة الجندي السعودي من قبل المجاهدين الذين ما قاتلوا إلا لتكون كلمة الله هي العليا، لا يطرحون التساؤل أو الاستنكار على جنود الطاغوت الذين يُقاتلون المجاهدين ويشهرون حرابهم في صدورهم، فإذا كان قتل الإنسان ابنَ بلده جريمة فلم لم يكن كذلك حين يقتل الجندي السعودي مجاهدًا في سبيل الله؟!

أم أنَّ قتل النفس يجوز لتثبيت حكم آل سلول، ولا يجوز إذا كان لتحكيم الشريعة وتطهير جزيرة العرب من المشركين؟!!

وهذا الجزء من الواقع، يدلُّك على الباعث الحقيقي لهذا التساؤل عند شريحةٍ ممن يطرحه، وأنَّ المسألة لا تعدو كونها الخوف على الدنيا وزوالها، والرغبة في بقاء الطاغوت وشركيَّاته مقابل المحافظة على حظ دنيويٍّ لا يأمن أن يزول إن تزعزع حكم الطاغوت، لذا يستنكر أن يُقتل جنود الطاغوت، ولا يجد غضاضةً في مقتل أولياء الله من المجاهدين، حيث يجد أنَّ مقتل المجاهدين يصبُّ في اتِّجاه مصالحه الدنيويَّة، بخلاف الاقتراب من الطاغوت وأذنابِهِ.

• التساؤل الثامن: ألا يمكن أن تعيق الاختلافات مسيرة العمل الجهادي في بلاد الحرمين، كما هو معروف من عادة العرب؟

الاختلاف من طبيعة البشر، ولا نعني بالاختلاف الاختلاف اليسير الذي لا يضر فقط، بل الخلاف يجميع درجاته جزء من التكوين البشري الاجتماعي، كما قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} .

والعمل الجهادي ليس مشروعًا يختاره فلان من الناس بعد أن يدرس جدواه، فإن لم يناسبه المشروع تركه بالكلية وبحث عن مشروع آخر يوفر متطلباته، بل هو حكم شرعي محكم مجمع عليه، لم ينقطع منذ مشروعيته، ولا ينقطع حتى يُقاتل آخر الأمَّة الدجَّال.

والذمةلاتبرأ إلا بالقيام بالواجب الشرعي الذي أمر الله به، وليس من الأعذار المسقطة لهذا الواجب وجود الخلاف فضلًا عن احتمال وقوعه.

والخلاف يقع في جميع الأعمال التي يقوم بها البشر، وليس فقط في العمل للدين، ولو تُرك العمل لأجل الخلاف لتعطلت الدنيا وكل ما فيها، فليس من الحكمة ولا من العقل تعطيل العمَل، لأجل خلافٍ محتَمَل.

ولو تأمَّل الناظر التاريخ الإسلامي، لما وجد موطنًا يخلو من الخلاف بدرجاته، ولوجد أيضًا أنَّ الخلاف مهما عظم لم يؤثر على العمل إلى درجة الإعاقة والإنهاء التام له.

فوقع الخلاف في غزوة بدر فيما يفعل بالأسرى، وفي غزوة أحد في الخروج للمشركين قبل المدينة أو انتظارهم ومقاتلتهم في المدينة وهي درع حصينة، ووقع بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مقاتلة المرتدين، وفي إنفاذ بعث أسامة، ووقع الخلاف والاقتتال بين علي بن أبي طالب ومن خالفه من الصحابة رضي الله عنهم، وكل هذا الخلاف لم يكن ليعطل الجهاد لا في وقته بعد أن وقع، ولا فيما بعده خوفًا من أن يقع، وهذا في الخلاف في القتال والجهاد، فضلًا عن الخلاف في غيره من الأمور.

ولو تأمَّلت في سير الصحابة رضي الله عنهم وجدت أنَّ الخلاف لم يكن يثنيهم عن الأخذ بالحق في المسألة التي اختلف فيها بعد وقوع الخلاف، ثم إذا نظرت إلى المعاصرين وجدت كثيرًا منهم يثنيه الخلاف عن الأخذ بالحق الذي لم يُختلف فيه، وقبل أن يقع الخلاف بل على احتماله وتوقّعه، فشتّان ما بين العازم على العمل للدين الذي لا يثنيه عما خلق له شيء، والمتخاذل المتكاسل الباحث عن حجة ومتكأ للفرار من أمر الله، وفي هذا مشابهة للذين ذكر الله عنهم {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت