وحركة الجهاد في جزيرة العرب قد استطاعت بفضل الله عز وجل أن تدرِّب كثيرًا من الكوادر التي لم يسبق لها أن تلقت أي نوع من أنواع التدريب، وخرّجت مجاهدين أبطالًا يُقاتلون في سبيل الله سواء في أرض الجزيرة أو خارجها، وقد اغتبط المسلمون اغتباطًا عظيمًا برؤية أبنائهم حين يتلقون التدريبات في معسكرات سرية في بلادٍ ظنَّ الطاغوت برهةً من الدهر أنَّه ربها الذي يعلم السرائر فيها -تعالى الله عنهم-.
حقيقة هذا التساؤل؛ تصور أن الحركة الجهادية لم تقم من دوافع أساسية بل كانت ردة فعلٍ على الحملة الصليبية التي تشنها الحكومة السلولية على الجهاد والإسلام عامة، أو أنَّ الحملة على الأقلّ دفعت الحركة الجهادية للتخلي عن الشروط العسكرية اللازمة لبدء المعركة تحت الضغط السلولي.
وهذا مخالف للواقع تمامًا، ولو فُرض أنَّه هو الواقع فلا بأس فيه، فقد قال الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) والدفاع عن النفس والثأر من العدو الكافر من الموجبات الشرعية المتفق عليها للقتال في سبيل الله.
ولكن الحركة الجهادية في جزيرة العرب لم تقم أساسًا لأجل هذه الحملة المؤخرة والتضييق الذي انطلق بانطلاق الحملة العالمية الصليبية ضد الإرهاب، بل سبق هذه الحملة الأخيرة تمهيد وتوطئة طويلة الأمد، من عدد من العلماء والدعاة والمصلحين، ومن شيخ المجاهدين أسامة بن لادن، منذ سنين عديدة تزيد على عشر سنواتٍ سبقت قيام الحركة الجهادية كمشروع حرب عصابات، وإن تخلل هذه المدة شيء من العمليات الجهادية.
فهذا المطلب والمقصد مقصد واضح معروف عند كثير من الناس إن لم يكن الأكثر، قبل الحادي عشر من سبتمبر، وخاصة بعد شريط"كول"، وكثير من الشباب المجاهد كان يتلهف منذ مدة طويلة على بداية العمل الجهادي ضد الاحتلال الصليببي لجزيرة العرب.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر جاء التوجيه للمجاهدين ببداية العمل في الجزيرة والإعداد لذلك، فأعدوا بحمد الله ما يسر الولي، ويغيظ أعداء الله من الأمريكان وعملائهم، وما يزالون يعدون ويعملون ويُقاتلون في سبيل الله.
ومن العجيب تصور من يتصور أن المجاهدين قاموا بذلك بعد أن ضيّق عليهم من قبل الحكومة، فلماذا سلكوا طريق الجهاد في الأصل قبل أن ينالهم أي تضييق؟ أليست طريق الجهاد هي طريق القرح والضراء والخوف والجوع وزلزلة الأقدام وبلوغ القلوب الحناجر؟
المجاهدون يُنادون بإخراج المحتل من بلاد الحرمين منذ سنواتٍ عديدةٍ، فليست فكرة طارئة اختمرت في الرؤوس في أجواء الخوف والتضييق كما يتصور من يطرح هذه الشبهة، كلا بل هو منهاج واضح يدعون إليه ويبيّنونه للناس منذ سنوات عديدة.
لو تأمَّل المتسائل لوجد أنَّ شريحة واسعة من هؤلاء المجاهدين الذين طُلبوا خلال هذه الفترة كانوا في الأصل بعيدين عن أعين الدولة، ونسبة من هؤلاء لم يخرجوا إلى الجهاد في العراق أو الشيشان أو البوسنة أو غيرها من قبل، بل الدولة تجهل أي علاقة لهم وصلة بالجهاد.
مغفّلٌ من يسلك درب الجهاد، في أي بلدٍ، ويظنُّ أنَّه سيعيش تحت حكم الطواغيتِ، مع كونه مجاهدًا في سبيل الله يعتلي ذروة سنام الدين، ولا ينالونه بسوءٍ! كل من ذهب إلى الجهاد وخاصة في الفترات الأخيرة بعد أن تميّز الفسطاطان، يعلمُ أنَّ حكومة آل سلول كسائر الحكومات الطاغوتية عدو له، وإن انشغلت أو لم تتمكن من متابعته في هذا الوقت، فإنَّها ستتمكن من معرفته والوصول إليه في القريب.
فاختيار طريق الجهاد يكون عن علم بما يتكنفه من أخطار ويحيط به من عقبات، وقصير الهمة الذي تصده هذه العقبات لا يسلك طريق الجهاد من الأصل.
انقداح هذا التساؤل في الذهن إنَّما يأتي بعد فراغه من معرفة الدوافع الحقيقية للمجاهدين، فظن أنَّهم انطلقوا بلا دوافع، أما من نظر -ولو بلا تأمّل- إلى الدوافع التي تدفع المجاهدين حقيقة؛ فإنَّه لن يستغرب من المجاهد كيف جاهد، وإنما يستغرب من القاعد، كيف قعد؟!
فالواقع أنَّ المجاهدين عملوا فطُلبوا، لا أنَّهم طُلبوا فعملوا.
أما مسألة: هل انتظر المجاهدون اجتماع الشروط العسكرية لبداية العمل، أم أعجلتهم المطاردات والمداهمات وانكشاف ما يعدون له؟
فيمكن من ينظر نظرة بسيطة، ولديه أدنى تجربة جهادية أو معرفة ناتجة عن متابعة الأخبار باهتمام، أن يعرف أمرين ويدركهما بوضوح: