ويؤكد القول بانتشار الحرمة العمل بالاحتياط عند وجود الشبهة. وما أوقَعَ مجيزي نكاح الزاني بنتَه من الزنا؛ إلا التزام بعض القواعد التي وضعها البشر، وهذه القواعد غير مطردة، فأوقع لازِمُها أشياء غيرمقبولة ولا معقولة! فما أكثر خرم قاعدة ابن عباس: لا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلالَ، بل هذه القاعدة تناقضها قاعدة «ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام» [1] . وحديث (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) [2] ، إلى جانب أن قول ابن عباس محمول على من زنا بامرأة ثم أراد أن ينكحها، فلا يحرم عليه نكاحها، كما فسره بذلك عطاء بن أبي رباح [3] وليس في محل النزاع.
• فالراجح: أن الزنا ينشر الحرمة مع الزاني قياسًا على نشرها مع الزانية، وإلا فكيف تحرم الأم على ابنها من الزنا، ولا تحرم بنت الزنا على أبيها الزاني إذا ثبت أنها تكونت من مائه.
• ومما يؤيد القول بنشر الحرمة في الزنا مع الزاني؛ قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لسودة بنت زمعة ( «احْتَجِبِي مِنْهُ» لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ) [4] قال أبو بكر بن العربي: وهذا يدل على أن الزنا يتعلق به من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح [5] .
• وإذا ثبت تحريم البنت من الزنا على أبيها، فإن الحرمة تنتشر إلى أخوته وأقربائه كما في النسب والنكاح الصحيح، وكما هو ثابت بالنسبة للأم وأقربائها، والله أعلم وأحكم.
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي، ط، عيسى البابي الحلبي، ص 117.
(2) سنن الترمذي، تحيقيق أحمد شاكر، 4/ 576 رقم 2518 وقال حسن صحيح.
(3) الاستذكار 5/ 464.
(4) صحيح البخاري ط، مكتبة الرشد بالرياض ص 272 رقم 2053.
(5) العواصم من القواصم؛ لأبي بكر ابن العربي، الناشر: وزارة الأوقاف السعودية 1/ 254.