وعلى فرض عودة صاحب الفراش لاستلحاقه؛ فهنا لا بد من البينة التي تفصل بين المدعيين فنرجع إلى مايدل عليه السبب الحسي.
• وإجماع الفقهاء على عدم سماع دعوى استلحاقٍ على مَنْ وُلِدَ على فراشٍ؛ هو عملٌ بالظاهر؛ أن من وُلِدَ على فراش فهو لصاحب الفراش، وهذا الظاهر كالاستصحاب يُعْمَل به مالم يوجد ماينقضه، ومما ينقضه انتفاء الزوج من ذلك الولد؛ أن يكون منه، وإبطال الزوج أو السيد النسبَ - الثابتَ بالفراش- هو عملٌ بالبينة الأقوى التي هي الإقرار أو النَّفي، المُحْتَفّ بقرينة؛ أن الرجل لا يفضح أهله إلا لسببٍ قويٍ، والسبب الذي جعله ينتفي من ولده؛ إما اطلاعه بنفسه على مايستدعي نفي الولد، أو معرفته بعدم إصابته أهلَه في فترة يتكون منها ذلك الولد، وقد ينفيه بسبب شهادة شهود يثق بهم على أفعالٍ وقَعَت فيها امرأتُه أو أَمَتُه،
• وقد انتفى كثير من الصحابة من أولاد بعض إمائهم؛ لأنهم يعلمون أنهم لم يُلِمُّوا بهن، فلا يعتبر الولد ولده إذا انتفى منه، وقد ورد أَنَّ عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَانَ يَعْزِلُ عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ، فَجَاءَتْ بِحَمْلِ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لا تُلْحِقْ بِآلِ عُمَرَ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَإِنَّ آلَ عُمَرَ لَيْسَ بِهِمْ خَفَاءٌ. فَوَلَدَتْ وَلَدًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: مِمَّنْ هُوَ؟ فَقَالَتْ: مِنْ رَاعِي الإِبِلِ. فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ [1] .
• كذلك ورد أَنَّ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، - رضي الله عنه - كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَارِسِيَّةٌ، وَكَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ، فَأَعْتَقَ الْوَلَدَ، وَجَلَدَهَا الْحَدَّ، وَقَالَ: إنَّمَا كُنْت اسْتَطَبْتُ نَفَسَكَ، وَلا أُرِيدُكِ. وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: مِمَّنْ حَمَلْت؟ قَالَتْ مِنْك. فَقَالَ: كَذَبْت، وَمَا وَصَلَ إلَيْك مِنِّي مَا يَكُونُ مِنْهُ الْحَمْلُ، وَمَا أَطَأُكِ، إلا أَنِّي اسْتَطَبْت نَفَسَكَ [2] .
(1) المغني 14/ 583.
(2) المغني 14/ 583، ولعله يقصد بطيب نفسها: طيب طبخها.