والفقه الإسلامي الذي هو الجانب التفصيلي للأحكام الشرعية قد ظل رغم مرور أربعة عشر قرنًا من الزمن على نشأته محافظًا على كيانه، قويًّا في بنيانه، صلبًا في تماسكه رغم كل الظروف والتقلبات التي تعرضت لها الأمة الإسلامية طيلة هذه الحقبة من الزمن.
ثم إن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ الشريعة الخاتمة من كل شائبة، فسلمت من تحريف المحرفين وتعطيل المعطلين وتبديل المبدلين، فأصبحت مصادرها الأصلية في مأمن من الشر، وقيض الله سبحانه وتعالى لها رجالا يحملونها ويخدمونها على مر التأريخ فاجتهدوا في استنباط الأحكام الفقهية من مصادرها الأصلية (الكتاب والسنة) أو التبعية كالإجماع والقياس.
ومبنى أحكام الدين جميعها على ثلاثة أصول: الكتاب والسنة والإجماع، ولما كان القرآن الكريم محفوظًا بحفظ الله سبحانه وتالى حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [1] ، والسنة النبوية واضحة وجلية بتهيئة الله تعالى لها رجالا يخدمونها ويهتمون بها في جميع المجالات، فوصلت إلينا صافية نقية، كان لابد أن نبحث في المسائل التي أجمع عليها العلماء وتبيينها للناس، لأنه إذا ثبت إجماع علماء الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم.
إن الإجماع الذي هو المصدر الثالث من مصادر التشريع لم يخدم من قبل خدمة يستغنى عنها، صحيح أن العلماء تكلموا عن الإجماع من حيث هو، لكن من حيث جمع المسائل التي أجمعوا عليها لم يؤلف في ذلك الكثير، ولما كان نظام جامعة الإمام -حماها الله- ملزمًا للطلبة
(1) سورة الحجر، آية 9.