على ما ذكرناه، مع أن أكثر ما ذكره من الإجماع هو كما حكاه لا نعلم فيه نزاعا، وإنما المقصود أنه مع كثرة اطلاعه على أقوال العلماء وتبرزه في ذلك على غيره واشتراطه ما اشترطه في الإجماع الذي يحكيه، يظهر فيما ذكره في الإجماع نزاعات مشهورة، وقد يكون الراجح في بعضها خلاف ما يذكره في الإجماع، وسبب ذلك دعوى الإحاطة بما لا يمكن الإحاطة به، ودعوى أن الإجماع الإحاطي هو الحجة لا غيره. فهاتان قضيتان لا بد لمن ادعاهما من التناقض إذا احتج بالإجماع.
فمن ادعى الإجماع في الأمور الخفية؛ بمعنى أنه يعلم عدم المنازع فقد قفا ما ليس له به علم، وهؤلاء الذين أنكر عليهم الإمام أحمد.
وأما من احتج بالإجماع بمعنى عدم العلم بالمنازع فقد اتبع سبيل الأئمة، وهذا هو الإجماع الذي كانوا يحتجون به في مثل هذه المسائل ... ) [1] .
(1) انظر: نقد مراتب الإجماع، ص 203.