قَبْلِ الخَوْضِ في هذا المَبْحَثِ يستوقِفُنا قَوْلٌ للجواهري يُزْجي فيه نصيحةً للأُدباء قَبْلَ ما يزيدُ على ثلاثينَ عامًا ومِمّا جاءَ فيه:"ثُمَّ لا بدَّ لكم شِئْتُمْ أم أبَيْتُمْ أَنْ تختَزِنُوا مِنْ مفردات اللُّغَة الجميلة كَنْزًا دَفِينًا يَمُدُّ إلَيْكُمْ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ عند الضَّرُورة الماسَّة قَبْل أَنْ تمَدُّوا أيديكُمْ إليهِ" [1] .
فَيَنْبَغي أنْ يُكوِّنَ الشَّاعر لِنَفْسِهِ مُعْجَمًا ثَرًّا يَعْتَمِدُ على ما في اللُّغَة مِنْ ثَرْوَةٍ هائِلَةٍ في الأَلْفاظ لِتُفْسِحَ لَهُ مَجالَ الاختِيارِ الأَنْسَب لِلَّفْظَةِ الحَيَّةِ غِيْر المُسْتَهْلَكَة، وكُلَّما تَشَعَّبَتْ رَوافِدُ ذلِكَ المُعْجَم صارَ البناءُ الشِّعري أكْثَر رصانة وامتلكت المُفْرَدَة فيه قُدْرةً أكبرَ على الإيحاء والتأثير.
إِنَّ صِلَةَ الشَّاعر بالتُّراثِ مطلوبةٌ في كُلِّ زَمانٍ وَمَكان فَلا يَكْتَفِيَ باللُّغَة المُعاصِرَة بَلْ يَنْبَغِيَ أَنْ يَمْتَدَّ إلى الجّذورِ الضارِبَةِ في العُمْقِ فَيَسْتَحْضِر التُّراثَ اللُّغَوي على قَدرِ سَعَةِ إطِّلاعِهِ لِيأتِيَِ بِناؤُهُ مُتَناسِلًا عَبْرَ وَشائِجَ تَتَداعى فيها دَلالاتُ الأَلْفاظ بحيَويَّةٍ أكْثَر.
ولا يَنْبَغِيَ للشّاعِرِ أنْ يَبْقى حَبيسَ التُّراث فَحَسْب بَلْ عَلَيهِ أنْ يَجْنَح إلى التَّصَرُّفِ في المُفْرَدَةِ أو التَرْكيب"وَيَكونُ محظوظًا حقًّا إنْ هو استَطاعَ اخْتِراقَ هذِهِ المَوْرُوثات" [2] .
وَقَدْ نَبَّهَ عُلَماءُ العَرَبيّة القُدَماءُ عَلى قُدْرَةِ الشَّاعر عَلى الخَرْقِ أو الإنحرافِ فقالَ الخليل بن أحمد:"الشُّعراءُ أُمَراءُ الكَلامِ يُصَرِّفُونَه أنّى شاءوا وَجائِزٌ لَهُمْ ما لا يَجوزُ لِغَيرِهِمْ مِنْ إطْلاقِ المَعْنى وَتَقْييدِهِ وَمِنْ تَصْريفِ اللفظ وتعقيدهِ. . ." [3] .
وقالِ ابن جني:"الشِّعر مَوْضِعُ إضْطِرارِ ومَوْقِفُ إعتذار وكثيرًا ما يُحَرَّف فيه الكَلِمُ عن أبْنِيَتهِ وتُحالُ فيه المُثُلُ عن أوْضاعِ صِيَغِها لأَجَلِهِ" [4] .
(1) مجلة الأديب العراقي، العدد الأول، 1961: 11.
(2) اللُّغَة في الأدب الحديث، جاكوب كورك: 26.
(3) زهر الآداب للحصري: 3/ 687 وينظر: مِنْهاج البلغاء وسراج الأدباء لابن حازم القرطاجني: 143 - 144.
(4) الخصائص: 3/ 188 وينظر النقد الأدبي، مداخل تاريخية حول اتجاهاته الأساسية، الدكتور عبد المِنْعم تليمة والدكتور عبد الحكيم راضي: 15.