فالآية في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) والآية في سورة النحل: (وإذا بدلنا آية مكان آية .. ) لكل منهما مقام خاص، ولكن هؤلاء الحقدة جعلوا الكلمات بمعنى الآيات، أو جعلوا الآيات بمعنى الكلمات زورًا وبهتانًا، ليوهموا الناس أن في القرآن تناقضًا. وهيهات هيهات لما يتوهمون.
أما الآيتان (لا مبدل لكلماته) و (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقد تقدم ذكرهما في الجدول السابق.
هاتان الآيتان بريئتان من التناقض براءة قرص الشمس من اللون الأسود:
فآية الكهف (لا مبدل لكلماته) معناها لا مغير لسننه وقوانينه في الكائنات. وهذا هو ما عليه المحققون من أهل العلم ويؤيده الواقع المحسوس والعلم المدروس.
وحتى لو كان المراد من"كلماته"آياته المنزلة في الكتاب العزيز"القرآن"فإنه - كذلك - لا مبدل لها من الخلق فهى باقية محفوظة كما أنزلها الله عز وجل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (10) .
أما آية البقرة: (ما ننسخ من آية) فالمراد من الآية فيها المعجزة، التي يجريها الله على أيدى رسله. ونسخها رفعها بعد وقوعها. وليس المراد الآية من القرآن، وهذا ما عليه المحققون من أهل التأويل. بدليل قوله تعالى في نفس الآية: (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) .
ويكون الله عز وجل قد أخبر عباده عن تأييده رسله بالمعجزات وتتابع تلك المعجزات؛ لأنها من صنع الله، والله على كل شئ قدير.
فالآيتان - كما ترى - لكل منهما مقام خاص بها، وليس بينهما أدنى تعارض، فضلًا عن أن يكون بينهما تناقض.
أما الآيتان الأخيرتان الواردتان في الجدول، وهما آية الحجر: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وآية الرعد: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فلا تعارض بينهما كذلك؛ لأن الآية الأولى إخبار من الله بأنه حافظ للقرآن من التبديل والتحريف والتغيير، ومن كل آفات الضياع وقد صدق إخباره تعالى، فظل القرآن محفوظًا من كل ما يمسه مما مس كتب الرسل السابقين عليه في الوجود الزمني، ومن أشهرها التوراة وملحقاتها. والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام.
أما الآية الثانية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فهى إخبار من الله بأنه هو وحده المتصرف في شئون العباد دون أن يحد من تصرفه أحد. فإرادته ماضية، وقضاؤه نافذ، يحيى ويميت، يغنى ويفقر، يُصحُّ ويُمْرِضُ، يُسْعِد ويُشْقِى، يعطى ويمنع، لا راد لقضائه، ولا معقب على حكمه (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) (11) . فأين التناقض المزعوم بين هاتين الآيتين يا ترى؟ التناقض كان سيكون لو ألغت آية معنى الأخرى. أما ومعنى الآيتين كل منهما يسير في طريقٍ متوازٍ غير طريق الأخرى، فإن القول بوجود تناقض بينهما ضرب من الخبل والهذيان المحموم، ولكن ماذا نقول حينما يتكلم الحقد والحسد، ويتوارى العقل وراء دياجير الجهالة الحاقدة؟ نكتفى بهذا الرد الموجز المفحم، على ما ورد في الجدول المتقدم ذكره.
وهناك شبه أخرى يمكن سردها بإيجاز:
1 -إنهم توهموا تناقضًا بين قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) (12) . وبين قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (13) . وفي عبارة شديدة الإيجاز نرد على هذه الشبهة الفرعية، التي تصيدوها من اختلاف زمن العروج إلى السماء، فهو في آية السجدة ألف سنة وهو في آية المعارج خمسون ألف سنة، ومع هذا الفارق العظيم فإن الآيتين خاليتان من التناقض. ولماذا؟ لأنهما عروجان لا عروج واحد، وعارجان لا عارج واحد.