".. وبينت السورة الدرجة التي جعلها الله للرجال على النساء، بعد أن سوى بينهما في الحقوق والواجبات، وأنها لا تعدو درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التي يمتاز بها الرجل على المرأة، بحكم الكد والعمل في تحصيل المال الذي ينفقه في سبيل القيام بحقوق الزوجة والأسرة، وليست هذه الدرجة درجة الاستعباد والتسخير، كما يصورها المخادعون المغرضون".
تلك هي شبهة الفهم الخاطئ والمغلوط لقوامة الرجال على النساء .. والتي لا تعدو أن تكون الانعكاس لواقع بعض العادات الجاهلية التي ارتدت في عصور التراجع الحضاري لأمتنا الإسلامية فغالبت التحرير الإسلامي للمرأة حتى انتقلت بالقوامة من الرعاية والريادة، المؤسسة على إمكانات المسئولية والبذل والعطاء، إلى قهر السيد للمسود والحر للعبد والمالك للمملوك!.
ولأن هذا الفهم غريب ومغلوط، فإن السبيل إلى نفيه وإزالة غباره وآثاره هو سبيل البديل الإسلامي الذي فقهه الصحابة، رضوان الله عليهم للقوامه .. والذي بعثه من جديد الاجتهاد الإسلامي الحديث والمعاصر، ذلك الذي ضربنا عليه الأمثال من فكر وإبداع الشيخ محمد عبده والشيخ محمود شلتوت.
بل إننا نضيف، للذين يرون في القوامة استبدادا بالمرأة وقهرا لها سواء منهم غلاة الإسلاميين الذين ينظرون للمرأة نظرة دونية، ويعطلون ملكاتها وطاقاتها بالتقاليد أو غلاة العلمانيين، الذين حسبوا ويحسبون أن هذا الفهم المغلوط هو صحيح الإسلام وحقيقته، فيطلبون تحرير المرأة بالنموذج الغربي .. بل وتحريرها من الإسلام! .. أقول لهؤلاء جميعًا:
إن هذه الرعاية التي هي القوامة، لم يجعلها الإسلام للرجل بإطلاق .. ولم يحرم منها المرأة بإطلاق .. وإنما جعل للمرأة رعاية - أي"قوامة"- في الميادين التي هي فيها أبرع وبها أخبر من الرجال .. ويشهد على هذه الحقيقة نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم، وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم .. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته"رواه البخارى والإمام أحمد.
فهذه الرعاية"القوامة"-هى في حقيقتها"تقسيم للعمل"تحدد الخبرةُ والكفاءةُ ميادين الاختصاص فيه .. فالكل راع ومسئول-وليس فقط الرجال هم الرعاة والمسئولون-وكل صاحب أو صاحبة خبرة وكفاءة هو راع وقوّام أو راعية وقوّامة على ميدان من الميادين وتخصص من التخصصات .. وإن تميزت رعاية الرجال وقوامتهم في الأسر والبيوت والعائلات وفقًا للخبرة والإمكانات التي يتميزون بها في ميادين الكد والحماية .. فإن لرعاية المرأة تميزًا في إدارة مملكة الأسرة وفي تربية الأبناء والبنات .. حتى نلمح ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي سبق إيراده - عندما جعل الرجل راعيًا ومسئولًا على"أهل بيته"بينما جعل المرأة راعية ومسئولة على"بيت بعلها وولده"..
فهذة"القوامة"- توزيع للعمل، تحدد الخبرة والكفاءة ميادينه .. وليست قهرًا ولا قَسْرًا ولا تملكا ولا عبودية، بحال من الأحوال ..
هكذا وضحت قضية القوامة .. وسقطت المعاني الزائفة والمغلوطة لآخر الشبهات التي يتعلق بها الغلاة .. غلاة الإسلاميين .. وغلاة العلمانيين.
فالطريق مفتوح أمام إنهاض المرأة بفكر متزن يرى أنها مع الرجل قد خلقا من نفس واحدة وتساويا في الحقوق والواجبات واختلفت وظائف كل منهما اختلاف تكامل كتكامل خصائصهما الطبيعية لعمارة الدنيا وعبادة الله الواحد الأحد.