فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 324

وهو فهم لمعنى القوامة، وعلاقة الزوج بزوجه، يمثل انقلابًا جذريا على إنجازات الإسلام في علاقة الأزواج بالزوجات! .. انقلاب جذريًّا فالعادات والتقاليد الجاهلية التي أصبحت تغالب قيم الإسلام في تحرير المرأة ومساواة النساء للرجال ..

ووجدنا كذلك في عصور التقليد والجمود الفقهى تعريف بعض"الفقهاء"لعقد النكاح، فإذا به:"عقد تمليك بضع الزوجة"!! .. وهو انقلاب على المعاني القرآنية السامية لمصطلحات"الميثاق الغليظ"و"المودة".. والرحمة .. والسكن والسكينة .. وإفضاء كل طرف إلى الطرف الآخر، حتى أصبح كل منهما لباسًا له".."

هكذا حدث الانقلاب، في عصور التراجع الحضاري لمسيرة أمة الإسلام ..

ولذلك، كان من مقتضيات البعث الحضاري، الحديث والمعاصر، لنموذج الإسلام في تحرير المرأة وإنصافها، كبديل للنموذج الغربي الذي اقتحم عالم الإسلام في ركاب الغزوة الاستعمارية الغربية لبلادنا والذي شقيت وتشقى به المرأة السوية في الغرب ذاته كان من مقتضيات ذلك إعادة المفاهيم الإسلامية الصحيحة لمعنى قوامة الرجال على النساء .. وهي المهمة التي نهضت بها الاجتهادات الإسلامية الحديثة والمعاصرة لأعلام علماء مدرسة الإحياء والتجديد ..

فالإمام محمد عبده، قد وقف أمام آيات القوامة (ولهن مثل الذيعليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (14) فإذا به يقول:

"هذه كلمة جليلة جدًا، جمعت على إيجازها مالا يُؤَدى بالتفصيل إلا في سفر كبير، فهى قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق، إلا أمرًا واحدًا عبّر عنه بقوله: (وللرجال عليهن درجة) وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهن ومعاملاتهن في أهليهن، وما يجرى عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم .."

فهذه الجملة تعطى الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشئون والأحوال، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس، رضي الله عنهما: إننى لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، لهذه الآية.

وليس المراد بالمثل المثل بأعيان الأشياء وأشخاصها، وإنما المراد: أن الحقوق بينهما متبادلة، وأنهما كفئان، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها، وإن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلا منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره مالا يلائمه وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدا يستذله ويستخدمه في مصالحه، ولا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه ..

هذه الدرجة التي رُفع النساء إليها لم يرفعهن إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة من الأمم قبل الإسلام ولا بعده ..

لقد خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة، في العبادات والمعاملات، كما خاطب الرجال، وجعل لهن مثل ما جعله عليهن، وقرن أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنات كما بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا والآخرة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت