فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 324

ولم يكن هذا الفهم الإسلامي لهذه القوامة مجرد تفسيرات أو استنتاجات، وإنما كان فقهًا محكومًا بمنطق القواعد القرآنية الحاكمة لمجتمع الأسرة، وعلاقة الزوج بزوجه .. فكل شئون الأسرة تُدار، وكل قراراتها تُتَّخذ بالشورى، أي بمشاركة كل أعضاء الأسرة في صنع واتخاذ هذه القرارات، لأن هؤلاء الأعضاء مؤمنون بالإسلام والشورى صفة أصيلة من صفات المؤمنين والمؤمنات (والذين يجتنبون كبائرالإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون *والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون * والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون) .

فالشورى واحدة من الصفات المميزة للمؤمنين والمؤمنات، في كل ميادين التدبير وصناعة القرار .. والأسرة هي الميدان التأسيسى والأول في هذه الميادين .. تجبُ هذه الشورى، ويلزم هذا التشاور في مجتمع الأسرة - لتتأسس التدابير والقرارات على الرضا، الذي لا سبيل إليه إلا بالمشاركة الشورية في صنع القرارات .. يستوى في ذلك الصغير والخطير من هذه التدابير والقرارات .. حتى لقد شاءت الحكمة الإلهية أن ينص القرآن الكريم على تأسيس قرار الرضاعة للأطفال - أي سقاية المستقبل وصناعة الغد على الرضا الذي تثمره الشورى .. ففي سياق الآيات التي تتحدث عن حدود الله في شئون الأسرة .. تلك الحدود المؤسسة على منظومة القيم .. والمعروف .. والإحسان .. ونفى الجُناح والحرج .. وعدم المضارة والظلم والعدوان .. والدعوة إلى ضبط شئون الأسرة بقيم التزكية والطهر، لا"بترسانة"القوانين الصماء! .. في هذا السياق ينص القرآن الكريم على أن تكون الشورى هي آلية الأسرة في صنع كل القرارات: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(233) .

هكذا فهم المسلمون معنى القوامة .. فهى مسئولية وتكاليف للرجل، مصاحبة لمساواة النساء بالرجال .. وبعبارة الإمام محمد عبده:"إنها تفرض على المرأة شيئًا وعلى الرجل أشياء".

وكانت السنة النبوية في عصر البعثة البيان النبوي للبلاغ القرآني في هذا الموضوع .. فالمعصوم صلى الله عليه وسلم الذي حمّله ربه الحمل الثقيل في الدين .. والدولة .. والأمة .. والمجتمع - (إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا) . هو الذي كان في خدمة أهله - أزواجه - وكانت شوراهن معه وله صفة من صفات بيت النبوة، في الخاص والعام من الأمور والتدابير .. ويكفى أن هذه السنة العملية قد تجسدت تحريرًا للمرأة، شاركت فيه الرجال بكل ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية .. وحتى القتال .. كما كان صلى الله عليه وسلم دائم التأكيد على التوصية بالنساء خيرًا .. فحريتهن حديثة العهد، وهن قريبات من عبودية التقاليد الجاهلية، واستضعافهن يحتاج إلى دوام التوصية بهن والرعاية لهن .. وعنه صلى الله عليه وسلم تروى أقرب زوجاته إليه عائشة رضي الله عنها:"إنما النساء شقائق الرجال"رواه أبو داود والترمذي والدارمي والإمام أحمد وعندما سئلت:

ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت