وكما لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع زوجات حرائر، اشترط بعض الفقهاء الالتزام بذات العدد في السرارى، أو فيهن وفي الزوجات الحرائر .. وإذا كان جمهور الفقهاء لا يقيدون التسرى بعدد الأربعة، فإن الإمام محمد عبده في فتواه عن تعدد الزوجات قد قال عند تفسيره لقول الله سبحانه وتعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) ."لقد اتفق المسلمون على أنه يجوز للرجل أن يأخذ من الجوارى ما يشاء بدون حصر ولكن يمكن لفاهم أن يفهم من الآية غير ذلك، فإن الكلام جاء مرتبطًا بإباحة التعدد إلى الأربعة فقط ..".
ويؤيد هذا الاجتهاد ما كان عليه العمل في صدر الإسلام، إذ لم يكن الرجل يتسرى بغير سرية واحدة وكما يجب العدل بين الزوجات الحرائر عند تعددهن .. قال بعض الفقهاء: إن ما يجب للزوجة يستحب للسرية، وجعل الحنابلة الإحصان للأرقاء ذكورًا وإناثًا أمرًا واجبًا .. .
هكذا رفع الإسلام، بالشروط التي اشترطها في التسرى، من شأن السرارى، وذلك عندما جعلهن في الواقع العملى أقرب ما يكن إلى الزوجات الحرائر. وعندما جعل من نظام التسرى بابًا من أبواب التحرير للإماء ولأولادهن، بعد أن كان رافدًا من روافد الاسترقاق والاستعباد ..
أما الواقع التاريخي، الذي تراجع عن هذا النموذج الإسلامي للتسرى، عندما كثرت السبايا، وتعددت مصادر الاسترقاق .. فمن الخطأ البين بل والتجنى حمل هذا الواقع التاريخي على شرع الإسلام ..
فالإسلام كما قدمنا في الحديث عن الرق قد ألغى وجفف كل روافد ومصادر الاسترقاق، ولم يستثن من ذلك إلا الحرب الشرعية المشروعة. ولذلك، فإن تجارة الرقيق، وأسواق الأرقاء، وشيوع التسرى الذي جاء ثمرة لاختطاف الفتيات والفتيان، وللحروب غير المشروعة، وغيرها من سبل الاسترقاق التي حرمها الإسلام .. كل ذلك إن حُسب على"التاريخ الإسلامي"فلا يمكن أن يُحسب على"دين الإسلام".. وعن هذه الحقيقة الهامة يقول الإمام محمد عبده:"لقد ساء استعمال المسلمين لما جاء في دينهم من هذه الأحكام الجليلة، فأفرطوا في الاستزادة من عدد الجوارى، وأفسدوا بذلك عقولهم وعقول ذراريهم بمقدار ما اتسعت لذلك ثرواتهم .."
أما الأسرى اللاتي يصح نكاحهن فهن أسرى الحرب الشرعية التي قصد بها المدافعة عن الدين القويم أو الدعوة إليه بشروطها، ولا يَكُنَّ عند الأسر إلا غير مسلمات .. وأما ما مضى المسلمون على اعتياده من الرق، وجرى عليه عملهم في الأزمان الأخيرة، فليس من الدين في شيء، فما يشترونه من بنات الجراكسة أو من السودانيات اللاتي يختطفهن الأشقياء السَّلبَة المعروفون"بالأسيرجية"، فهو ليس بمشروع ولا معروف في دين الإسلام، وإنما هو من عادات الجاهلية، لكن لا جاهلية العرب بل جاهلية السودان والجركس .."."
وإذا كان من العبث الظالم حمل تاريخ الحضارة الغربية مع الرق والاسترقاق على النصرانية، كدين، فالأكثر عبثية والأشد ظلمًا هو حمل التاريخ الإسلامي في هذا الميدان على شريعة الإسلام! ..