أما لو قيل"كن فكان"لخلا هذا التعبير من ثلاثة أرباع الحسن الذي هو فيه، وذلك للاعتبارات الآتية:
فأولًا: دلالة الماضى الأصل فيها الانقطاع عن الوجود المستمر، ولذلك يعبر عنه النحويون بأنه: ما دل على حدث وقع وانقطع قبل زمن التكلم.
وهذا غير مراد في حكاية الله كيفية خلقه لآدم، لأنه لو قيل: كن فكان لصدق هذا التعبير عن وجوده لحظة واحدة من الزمن، ولو كان قد مات لحظة خلقه.
أما"كن فيكون"فدلالتها استمرار وجوده حتى أنجب مَنْ أنجب من ذكور وإناث، وما بث منهما من آباء البشر وأمهاته، كما قال عز وجل:
(وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً) .
لأن دلالة المضارع تبدأ من الحال، وتستمر في الاستقبال.
وثانيًا: أن هذا التعبير"كن فيكون"يؤذن بتقدير مسند إليه قيل"فيكون"أي"فهو يكون"وفي هذا تكرار إسناد"الكينونة"لآدم:
مرة يجعل"يكون"خبرًا عن ضمير آدم"هو"
ومرة بإسناد فعل الجملة الخبرية"يكون"إلى ضمير آدم المستكن في الفعل وجوبًا، على أنه فاعل له. وتكرار الإسناد من أقوى أساليب التوكيد في البلاغة العربية.
وثالثًا: في الفعل المضارع"يكون"تناسب آسر لرءوس الآيات (الفواصل) لأن ما قبله كلها فواصل مبنية على حرف المد إما الياء، وهو الأكثر، وإما الواو مع النون، وهو كثير، أو مع الميم.
وكذلك ما بعدها، والتناسق الصوتي في النظم القرآني المعجز، وجه من وجوه إعجازه، التي باين بها كلام البشر والجن، وجعل لتلاوته حلاوة جذابة للأسماع، كما جذبت معانيه القلوب، وأسرت العقول، واستولت على ألباب أولى الألباب.