فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 324

أما آية سورة البقرة، والتي قالت: [واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى] فإنها تتحدث عن أمر آخر غير"الشهادة"أمام القضاء .. تتحدث عن"الإشهاد"الذي يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من الحفاظ على دَيْنه، وليس عن"الشهادة"التي يعتمد عليها القاضى في حكمه بين المتنازعين .. فهى - الآية - موجهة لصاحب الحق الدَّيْن وليس إلى القاضى الحاكم في النزاع .. بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق دَيْن ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدَّيْن .. وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط النصح والإرشاد إلى دائن خاص، وفي حالات خاصة من الديون، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية .. فهو دين إلى أجل مسمى .. ولابد من كتابته .. ولابد من عدالة الكاتب. ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة .. ولابد من إملاء الذي عليه الحق .. وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل .. والإشهاد لا بد أن يكون من رجلين من المؤمنين .. أو رجل وامرأتين من المؤمنين .. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة .. ولا يصح امتناع الشهود عن الشهادة .. وليست هذه الشروط بمطلوبة في التجارة الحاضرة .. ولا في المبايعات ..

ثم إن الآية ترى في هذا المستوى من الإشهاد الوضع الأقسط والأقوم .. وذلك لا ينفى المستوى الأدنى من القسط ..

ولقد فقه هذه الحقيقة حقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن"الإشهاد"في دَيْن خاص، وليس عن الشهادة .. وإنها نصيحةوإرشاد لصاحب الدَّيْن ذى المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعًا موجهًا إلى القاضى الحاكم في المنازعات .. فقه ذلك العلماء المجتهدون ..

ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية [661728 هجرية /1263 1328] وتلميذه العلامة ابن القيم [691751 هجرية / 1292 1350 م] من القدماء والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [12651323 هجرية] والإمام الشيخ محمود شلتوت [13101383 هجرية /18931963 م] من المحدثين والمعاصرين فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم:

قال عن"البينة"التي يحكم القاضى بناء عليها .. والتي وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه"رواه البخارى والترمذي وابن ماجه:

"إن البينة في الشرع، اسم لما يبيّن الحق ويظهره، وهي تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة، بالنص في بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد واحد، وامرأة واحدة، وتكون نُكولًا (2) ، ويمينًا، أو خمسين يمينًا أو أربعة أيمان، وتكون شاهد الحال."

فقوله صلى الله عليه وسلم:"البينة على المدعى"، أي عليه أن يظهر ما يبيّن صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له .." (3) فكما تقوم البينة بشهادة الرجل الواحد أو أكثر، تقوم بشهادة المرأة الواحدة، أو أكثر، وفق معيار البينة التي يطمئن إليها ضمير الحاكم - القاضى - .."

ولقد فصّل ابن تيمية القول في التمييز بين طرق حفظ الحقوق، التي أرشدت إليها ونصحت بها آية الإشهاد - الآية 282 من سورة البقرة وهي الموجهة إلى صاحب"الحق الدَّين"وبين طرق البينة، التي يحكم الحاكم القاضى بناء عليها .. وأورد ابن القيم تفصيل ابن تيمية هذا تحت عنوان [الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه] .. فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت