وهذه لمحة طيبة من شيخ النحاة، ولها صلة وثيقة بالتوجيه البلاغي لهذه المسألة، سنعرضها في الخلاصة إن شاء الله.
ومن الآراء التي طرحت في هذا الصدد أن"البر"وقع موقع اسم الفاعل لإرادة المبالغة على وزان قول العرب"رجل عدل"حيث عدلوا عن رجل عادل، إلى الإخبار عنه بالمصدر، على اعتبار أن هذا الرجل لما كان كثير العدل صار كأنه العدل نفسه، لا فرق بينهما. وهذا رأى نحاة الكوفة.
أما الفراء فقد جعل"من آمن"واقعًا موقع الإيمان وقال:
والعرب تجعل الاسم خبرًا للفعل، واستشهد على هذا بقول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى
ولكنما الفتيان كل فتى نَدِى
حيث جعل الشاعر نبات اللحية خبرًا عن الفتيان.
والمعنى: لعمرك ما الفتوة أن تنبت اللحى.
نكتفى بهذا القدر - مما ذكره النحاة، ويكاد يجمع عليه المفسرون - في توجيه وقوع"من آمن"خبرًا عن البر، مع تسليم الكافة بصحة الاستعمال اللغوي فيه، واجتهادهم هذا كان محاولة لفهم هذا الاستعمال.
والخلاصة:
من خلال النقول التي تقدمت عن النحاة واللغويين والمفسرين، بطلت هذه الشبهة ولم يبق لها أثر، فلا غرابة في وضع"من آمن"خبرًا عن"البر"سواء أخذنا بتوجيه شيخ النحاة سيبويه؛ أن في الكلام حذف مضاف تقديره"ولكن البر بر من آمن"أو أخذنا بالتوجيه الذي أجاز وقوع المصدر موقع اسم الفاعل أو الفاعل .. فهذه كلها أساليب عربية فصيحة مستعملة، ومن شواهدها في القرآن كذلك قوله تعالى:"وأنت حل بهذا البلد"فوقع المصدر"حل"موقع اسم الفاعل"حالٌّ"أي مقيم بهذا البلد.
فإذا ولينا وجوهنا شطر البلاغة بعد النحو واللغة، والبلاغة أوسع خطى منهما، فإننا نلمح في التعبير القرآني"ولكن البر من آمن"معنى لطيفًا دقيقًا ذا مغزى كبير لأن"من آمن"يدل على ذوات تمكن الإيمان في قلوبها. فالإيمان"حالٌّ"في تلك القلوب، ولو كان قد قيل:"ولكن البر الإيمان"لكان هذا الإيمان مجرد فكرة لا محل لها، بل هي مفصولة عن الذوات. يعني إيمان نظرى لا عملى. وهذا ليس بسديد، لكن لما جعل هذا وصفًا للذوات المدلول عليها ب -"من"التحم الإيمان بالمؤمن، والمؤمن بالإيمان، فتحول إلى إيمان عملى متمكن في القلوب، في مقابلة الإيمان الشكلى الذي لم يرضه القرآن، وهو توجه الوجوه نحو المشرق والمغرب. وهذا ما ألمح إليه سيبويه من قبل.